فهرس الكتاب

الصفحة 1510 من 2524

عند ما فقد يعقوب ابنه يوسف لم يكن يعقوب قد كبر بعد، ولم يصدق رواية أولاده عن الذئب الذي أكل ابنه، وأوجس منهم خيفة، فقال: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) (18) (يوسف) ، وما كان بوسعه أن يفعل شيئا سوى أن يستعين بالصبر، ويتوجه إلى الله يسأله اللطف. ولمّا سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصبر الجميل في الآية قال: «صبر لا شكوى فيه» . وقيل: ثلاث من الصبر: أن لا تحدّث بوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكّى نفسك! - ويعقوب فعل الثلاثة، وكلامه استشهدت به عائشة في «حديث الإفك» ، فقالت: والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) ! - ثم إن السنوات مرت، وجاء أولاد يعقوب وأخبروه للمرة الثانية بما جرى لابنه بنيامين، مثلما جرى ليوسف قديما، وربط يعقوب بين الحادثتين، وقوى عنده الشك في أولاده، لبغضهم ليوسف وبنيامين ابني راحيل، وكان ابنه رأوبين مع بنيامين، يكاد يفقدهما معا، فلم يقل سوى: (عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (83) (يوسف) ، (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) (84) (يوسف) : يعني تولّى عن أولاده، والكظيم هو الحزين الذي لا يشكو؛ ورقّ أولاده لحاله وقد ابيضّت عيناه من الحزن، فقالوا على سبيل الرفق به: (تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ) (85) (يوسف) أي ستظل تذكر يوسف، حتى تضعف صحتك، وإن استمر بك هذا الحال يصيبك الهلاك والتلف، (قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) (86) (يوسف) ، والبثّ هو الهمّ، وعلمه من الله - أي ثقته فيه وإيمانه به. والحزن إن كان شديدا يصيب الحزين في مقتل، حتى أن العينين يجف بهما الدمع وتتحجّران ولا تدمعان، وقد لا ينطق اللسان، وقد ينقلب الحزن إلى ضده فيكون الحزين كأنه لا يبالى، أو كأنه مبتهج بالحدث، وعبّر يعقوب عن ذلك فقال إنه يشكو حزنه إلى الله ويبثه شجنه، واللجوء إلى الله في الشدائد دليل الإيمان، وعند المصائب كثيرا ما يؤمن الكافر، ويقر المذنب بذنبه وينوب ويتوب. وإيمان يعقوب يبلغ، القمة عند ما يقول لهم: (يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) (87) (يوسف) ، والتحسس طلب الشيء بالحواس ويكون في الخير، والتجسس يكون في الشر، وروح الله الأمل والرجاء في الله، والمؤمن لا يقنط ولا ييأس من رحمة الله، والقنوط واليأس من الكبائر، وحزن يعقوب كان حزن نبيّ ليقتدى به ويكون مضرب الأمثال: نقول: صبر أيوب، ورجاء يعقوب!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت