فهرس الكتاب
حاولوا قتله، وآذوه في نفسه وجسمه وعرضه وماله وأصحابه، تماما كما فعل كفّار قريش بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، غير أن نوحا لمّا نفد صبره ولم يعد في قوسه منزع كما يقولون، دعا ربّه عليهم، ونبيّنا لم يدع على قومه، وصبر وثابر لعله يخرج من أولادهم من يعبد الله. وعبارة نوح التي دعا بها مشهورة يرددها كل مستضعف، كلما أعياه أمر الظلمة، ولم يعد يقوى على مغالبة المستقويين، تقول: «ربّ، إني مغلوب فانتصر» ، والدعاء كبير وخطير، واستجابت له السماء فورا، وفتحت له أبوابها، وانهمر الماء منها يصبّ صبّا على الأرض ويغرقها، وتفجّرت الأرض بالعيون، والتقى ماء السماء وماء الأرض ليصنعا أكبر وأخطر وأعظم طوفان في التاريخ، ولولا أن الله أوحى إلى نوح أن يصنع سفينته من ألواح شدّها إلى بعضها البعض بالحبال، لما بقى في الدنيا من الأحياء أحد، وجرت السفينة وسط عباب الماء، والله يكلؤها بعنايته ورعايته، ونجا نوح ومن معه جزاء له ولهم على إيمانهم.
لم يتزوج النبيّ نوح إلا امرأة واحدة، وأنجب منها أربعة أبناء، مات منهم الابن الكافر، ويبدو أنه كان أكبرهم، وعاش ثلاثة: سام، وحام ويافث. ولم تركب امرأة نوح معه السفينة وأغرقها الطوفان مع الغارقين، وصنّفت مع امرأة لوط، وقيل فيهما: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) (10) (التحريم) ، وامرأة نوح إذن مثل للمرأة الكافرة، وخيانتها لنوح أنها لم تؤمن به، فكان بيتهما نصفه مؤمن ونصفه كافر، وكانت تهزأ به وتسخر من دعوته، وتصفه مع قومها بأنه مجنون، وخيانتها له إذن كانت خيانة في الدين، وما كانت بغيا، وكانت تفشى أسرار بيتها، وتنمّ على زوجها، وكلما أوحى إليه بشيء أبلغت قومها به، فكان حسابها عند الله عسيرا، ومع كل ما لنوح عند الله من كرامة إلا أنه لم يدفع عنها عند ربّه، ولقد دفع عن ابنه - وكان مثلها من الكافرين، ولم يؤمن بنوح، ولم يقبل الله فيه شفاعته. والدرس المستفاد من القصة: أن العذاب في الدنيا والآخرة يدفع بالطاعة وليس بالوسيلة. والقصة ضربت مثلا لكفار مكة، ليعلموا أن لا أحد مهما علا، بمنأى عن العذاب طالما هو كافر.