فهرس الكتاب

الصفحة 704 من 2524

النبيّ. وقيل في ذلك أن هذه الأحاديث ربما صدرت قبل أن تتنزل الآية، وربما قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم» لأنه كذلك يوم القيامة بوصفه الشافع يومئذ، وله لواء الحمد والحوض، وكان قوله: «لا تخيّرونى على موسى» على طريق التواضع، وكذلك قوله: «لا يقل أحد أنا خير من يونس بن متّى» على معنى التواضع، حيث الآية: (وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ) (48) (القلم) وهو يونس بن متى، فيها أنه أفضل منه فعلا، لأن الله تعالى قال له: ولا تكن مثله، وإذن فهو خير منه، فدلّ على أن قوله: «لا تفضّلونى عليه» من طريق التواضع، ويجوز أن تكون الأفضلية من طريق العمل فلعله أفضل منه في العمل، ولا يعلم ذلك إلا الله، ولعله أفضل في البلوى والامتحان فإنه أعظم محنة منه. وربما قد نهى عن المقارنة بينه وبين الأنبياء، لأنه في المقارنة قد يذكر عنهم ما لا ينبغي أن يذكر، ويقل احترام الناس لهم عند المماراة، فلا يقال لذلك: النبيّ صلى الله عليه وسلم أفضل من الأنبياء كلهم، لما قد يتوهّم من النقص في المفضول، لأن النهي يقتضى منع إطلاق اللفظ لا منع اعتقاد المعنى، فإن الله تعالى أخبر في الآية أن الرسل متفاضلون، إلا أننا انصياعا لأمر نبيّنا صلى الله عليه وسلم لا يحسن منا أن نقول أنه خير من الأنبياء، أو أفضل من فلان، تأدّبا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وعملا باعتقاد ما تضمنه القرآن من حجب أي الأنبياء أفضل، وعلى ذلك يكون الجواب على السؤال: هل نبيّنا صلى الله عليه وسلم هو الأفضل؟ أن القرآن اكتفى بأن الأنبياء متفاضلون ولم يذكر أسماء.

والأنبياء منهم الرسل، ومنهم أولو العزم، ومنهم الأخلّاء، ومنهم من كلّم الله، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، وآتى بعضهم الكتاب، وبعضهم العلم، ونبيّنا فضّله فقال له: (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا(1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) (2) (الفتح) ، وقال: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) (28) (سبأ) ، فلولا أنه الأفضل لما فتح عليه بكل هذا الفتح، ولما غفر له كل ذنوبه السابقة واللاحقة، ولما أرسله لكل شعوب الأرض، الأبيض والأحمر والأسود والأصفر. والحمد لله والمنّة.

502 -مشكلة «ما» و «من» في بعض الآيات

المستشرقون يقولون مثلا في قوله تعالى: (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) (3) (النساء) : كيف جاءت «ما» للآدميين في الآية بينما أصلها لما لا يعقل؟ ومن قالوا ذلك لا يعرفون العربية، لأن «ما» و «من» قد يتعاقبان، كقوله تعالى: (وَالسَّماءِ وَما بَناها) (5) (الشمس) أي ومن بناها، وقوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ) (45) (النور) . وفي الآية: (ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) ، «ما» لمن يعقل، يعني «من طاب» . وقد تكون «ما» للنعوت لما لا يعقل، فيكون المعنى «فانكحوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت