فهرس الكتاب

الصفحة 1534 من 2524

لأيوب قصتان وشخصيتان في التوراة والقرآن، والقصتان والشخصيتان مختلفتان بحسب تصور الكتابين لفكرة الشخصية أولا، ثم لفلسفة الدين والتدين ثانيا. وأيوب التوراة: إنسان متوازن فيما يخص سلوكه تجاه الدين أو الدنيا، وهو يأخذ من الدنيا كل ما تتيحه له من المتع، ومن ذلك يعطى الله كل مطلوباته الأخروية. وأيوب القرآن: صورة للمؤمن التقى الذي تنزل به النوازل فيشكر الله في السرّاء والضرّاء، ويعيش للناس وينكر نفسه. وفي التوراة بحسب أيوب فإن الفرد يأتي أولا، وفي القرآن فإن الأولوية عند أيوب للجماعة، ومن ثم فإن أعمال أيوب في التوراة فردية، وأعماله في القرآن جمعية. والله بالنسبة له في التوراة هو ربّه هو، وهو في القرآن هو ربّه وربّ الناس والعالمين. والصورة التي يرسمها القرآن لأيوب هي صورة العبد الصابر الراضى بقضاء الله، وهي صورة لا تتوافق مع المزاج اليهودي، ولذا قال اليهود: إن قصة أيوب في التوراة ليس لها الطابع اليهودي!! والقصة كما هي في التوراة يتضمنها سفر خاص بها هو السفر الأول من أسفار الجزء الثاني من كتب العهد القديم الإسرائيلي، وقالوا فيه إن من كتبوه كانوا أكثر من واحد ولم يكونوا عبرانيين، إلا أنهم مع ذلك ضمّوا السفر لمجموعة الكتاب المقدّس كي يعدّ الكتاب أضخم وأكبر. واسم أيوب Job يعني بلغة العامة عندهم «الأونطجى» ، أو كثير الكلام، أو بائع الكلام، بالنظر إلى كثرة ما تكلم به عن السّقم رغم أنه من المفروض أن يكون سقيما، والسقيم لا يستطيع الكلام إلا لماما، وقدّموا لذلك فقالوا إن سقمه لم يصب لسانه ولا تفكيره. و «دموع أيوب» و «صبر أيوب» ، ذهبا مثلا في العربية كما في اللغات الأوروبية وفي العبرانية. وقيل: ربما كان أيوب عربيا، يعنون أنه لا يمكن أن يتحمّل ما تحمّل إلا العربي، وأما العبراني فإنه يتمرد في مثل حالة أيوب، وقالوا: والذي يؤكد أنه لم يكن عبرانيا أن موطنه كان أقرب إلى شعوب المنطقة منه لشعب إسرائيل، فمن المحتمل أن تأثّره بالثقافات من حوله كان أكبر؛ إلا أن أيوب مع ذلك، كان في صميمه عبرانيا وإن كان حديثه مع ربّه لا ينبئ أنه يتحدث إلى إله عبراني، والعبرانيون يعتبرون قصة أيوب من الأدب الشعبي العبراني، ولها مكانة خاصة في الهجادا العبرانية، وتروى بروايات عدة في التلمود؛ وأما سفر أيوب فقد كتبه من كتبه، وهذّب كلامه، وقسّمه فصولا ومشاهد، ونقله - كما قيل - بلغته

الشعرية العامية، وأضاف إليه منثورات مكمّلة للقصة. ولم يحفل القرآن أن يجعل من قصة أيوب شيئا يستأثر باهتمام الناس ويسرّون بسماعه، وإنما نبّه إلى أن أيوب نبيّ يوحى إليه، وأنه في مرتبة كمرتبة محمد صلى الله عليه وسلم وإبراهيم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت