والقرآن في الآيات الثلاث، فيه المحكم، وفيه المتشابه، فالآية الأولى تدل على أنه كله محكم، والآية الثانية أنه كله متشابه، والثالثة أن بعضه محكم وبعضه متشابه، والمعنى في الآيات الثلاث واحد، إلا أنه مرة يؤكد على جانب منه، ومرة على جانب آخر وهكذا؛ والإحكام يعني أنه لا يأتيه باطل ولا خلل كالبناء المحكم المتين الرصين؛ والتشابه يعني أنه يشبه بعضه بعضا في الإحكام، فلا يفضل بعضه على بعض وإن خفى هذا الإحكام على الناس، فلما كان بعضه ظاهر الإحكام، وبعضه خفيا إحكامه إلا على المدقّق، فلهذا كان بعضه محكم وبعضه متشابه.
والمحكم اصطلاحا يكون بهذا المعنى السابق الذي يقابله المتشابه، وهو اصطلاحا أيضا يقابله المنسوخ. وسواء بهذا المعنى أو بغيره فالمحكم هو المنيع الذي لا يتطرّق إليه النسخ، والذي ليس فيه التباس، ومعناه واضح لا خفاء فيه، ولا يحتمل إلا تأويلا واحدا، ولا يتطرق إليه إشكال، وترجح دلالته، والمتشابه بخلاف كل ذلك، وهو المقابل له.
نعلم أن المتشابه ما خفى مراد الشارع منه، وقد يكون لفظا، أو يكون معنى، أو يكون لفظا ومعنى. والخفاء في اللفظ مثل قوله تعالى: (وَفاكِهَةً وَأَبًّا) (31) (عبس) فما هو الأبّ؟ واللفظة كما نرى مفردة، ومعنى الأبّ ما ترعاه البهائم، وقد عرفنا ذلك من بقية الآية: