والترمذى، والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم أوتى الكتاب وحيا يتلى، وأوتى من البيان مثله، أي أذن له أن يبيّن ما في الكتاب، فيعمّ ويخصّ، ويزيد عليه، ويشرع ما في الكتاب. وقوله «يوشك رجل شبعان» الحديث، يحذّر من مخالفة السنن، مما ليس في القرآن، على ما ذهبت إليه الخوارج والشيعة والروافض والصوفية، والمجتهدون من العقلانيين العلمانيين والليبراليين المعاصرين، المقلّدين للثقافة الغربية اليهودية المسيحية، فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن: (ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (6) (التغابن) ، وفي القرآن عن عمل النبيّ صلى الله عليه وسلم: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (44) (النحل) ، فنبّه إلى أنه صلى الله عليه وسلم المبيّن لما في القرآن، وقال تعالى: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (63) (النور) أي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليست مخالفته من الدين، وقال: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) (7) (الحشر) ، فأوجب الطاعة له، وقال: (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا) (36) (الأحزاب) ، فألزم المؤمنين والمؤمنات بما يختاره تعالى لهم ورسوله صلى الله عليه وسلم، فصار الكتاب والسنّة متلازمان، وصارت السنّة هي الشارحة للكتاب، والكتاب أصل للسنة، ورغم تضعيف هذا الحديث: «إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فخذوه، وإن لم يوافقه فردّوه» ، إلا أن العقل لا يردّ هذا الحديث، لأنه يضع منهجا قويما لقبول أو رفض الأحاديث، فما وافق منها الكتاب فهو فعلا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وإن كان ضعيفا، فالسنة بيان لمجمل الكتاب، وفيها البيان الكامل للصلاة وأحكامها وطريقتها، والزكاة ومقدارها ووقتها، وبيان مناسك الحج، والنكاح، والمطعم والمشرب، والشهادة ... إلخ. والقرآن عن حق لا يستغنى عن السنة، وكذلك السنة لا بد فيها من مرجعية القرآن، وليس صحيحا كما يقول القائلون: إن السنة قاضية على القرآن، كيف؟ كما ليس من المعقول أن يستغنى الكتاب عن السنة.
قول الله هو الأصدق، وهو تعالى يقول: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (51) (العنكبوت) ، وفي الحديث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: «لم يأذن الله لشيء ما أذن لنبيّ أن يتغنى بالقرآن» .