فى التوراة أن الوصايا والشريعة اشتمل عليهما لوحان من الحجر كتبهما الله تعالى بإصبعه، فلما نزل موسى وشاهد عبادة بني إسرائيل للعجل استشاط غضبا وألقى باللوحين فكسرا (خروج 31/ 18 - 32/ 19) ، ثم إن الربّ عوّضه بلوحين آخرين بهما نفس كلام اللوحين السابقين (خروج 34/ 1) ، ومؤرخو اليهود ينتقدون أن تكون التوراة الحالية هي ما كان مكتوبا على لوحي الشهادة، فاللوحان كان موسى يحملهما في يد واحدة (خروج / 15 32) فكيف صار ذلك خمسة أسفار؟!
وفي القرآن غير ذلك، يقول الله تعالى: (وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (الأعراف 145) ، فلم يجعلها لوحين ولكنه جعلها «ألواحا» ، وهو الأقرب إلى الواقع. وقيل فيها كانت سبعين وقر بعير. والوقر هو الحمل، وأضاف الله تعالى الكتابة إلى نفسه على جهة التشريف، إذ هي مكتوبة بأمره، قيل: كتبها جبريل، وقيل: هي كتابة أظهرها الله وخلقها في الألواح. وأصل اللوح: ما تلوح فيه المعاني. واشتملت الألواح على ما يحتاج إليه في الدين من الأحكام وتبيين الحلال والحرام، واللفظ «كل شئ» للتفخيم ولا يراد به التعميم، ولمّا تكسّرت الألواح حين ألقاها موسى، ضاع منها الكلام إلا سدسه، وقيل: إلّا سبعه، وضاعت ستة أسباع، فكان في الذي ضاع تفصيل كل شيء، وفي الذي بقى الهدى والرحمة. وقوله: «وتفصيلا لكل شئ» لأنهم لم يكن عندهم اجتهاد، وإنما خصّت بالاجتهاد أمة الإسلام، وأمره الله تعالى أن يأخذ الألواح بقوة، أو يأخذ ما فيها من تعاليم، أي يعمل بالأوامر ويترك النواهى، ويتدبّر الأمثال والمواعظ، ونظيره قوله تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) (الزمر 55) ، فالعفو مثلا أحسن من الاقتصاص، والصبر أحسن من الانتصار، وكذلك فإن الفرائض والنوافل أحسنها. وما قاله القرآن لا تجده فعلا في التوراة إلا في سفر تثنية الاشتراع وفي بعض العبارات من سفر الخروج وسفر الأحبار.
سأل فرعون - موسى وهارون: (فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى(49) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) (50) (طه) ، فهذان أقصر سؤال وجواب عن الله سبحانه، فهو يعرف بصفاته ولم يعطياه اسم علم، بل قالا: إنه الخالق الذي خصّ كل شيء بصورته التي هو عليها، وهيأته التي تطابق وظيفته في الوجود، ووفّر له الإمكانات في شكله الخارجى،