السورة مكّية، وآياتها أربعون، وترتيبها في المصحف الخامسة والسبعون وفي التنزيل الواحدة والثلاثون، وكان نزولها بعد القارعة، ومثلها مثل الكثير من السور المكّية تتناول وصف يوم القيامة، ولذا كانت تسميتها سورة القيامة، وهو يوم من أيام الله الكبرى، بل هو قمة هذه الأيام، ولذا أقسم به مع أنه غيب، وقرن الغيب بالحاضر، وأقسم بالنفس اللوامة وهي أخصّ خصائص الإنسان، ورمز للأخلاق، وهي حاضر الإنسان، وفي الطبوغرافية النفسية هي الضمير أو الأنا الأعلى، فإن قلنا إنها الضمير فإنها من ضمر أي ستر، لأن النفس مستورة تدرك عقلا ولا ترى بصرا، وإن قلنا إنها الأنا الأعلى، فلأن الجهاز النفسي أقسام، أدناه الهو Id المنوط به الغرائز، وأوسطه الأنا Ego المنوط به الحاضر، وأعلاه الأنا الأعلى Superego ، وهو هذه النفس اللوامة The upbraiding self ، تلوم صاحبها على الخير لم لم يستكثر منه، وعلى الشر لم فعله؟ وقيل اللوامة بمعنى اللائمة وهي صفة مدح؛ أو بمعنى الملومة، أي المذمومة، وهي صفة ذمّ، وهذا المعنى الأخير هو الذي أخذ به المستشرقون من أمثال: مكدونالد، وفريد لاندر، ولا نداور، وقد أخطئوا وترجموها the commanding - to - evil - self ، يعني النفس الأمّارة بالسوء، وهي بخلاف النفس اللوّامة! والأولى: شرّيرة؛ والثانية: مؤمنة، وتوّابة، ومنيبة، وشتّان ما بين الاثنتين! ولكنه جهل المستشرقين فما ذا نقول فيه؟! والسورة من أكثر السور احتفالا بالتحليل النفسي، وبها الكثير من وجوه جمال الأسلوب وبديع البيان، ومن ذلك الاستفهام الإنكارى كقوله تعالى: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) (3) ، يقصّد به التوبيخ والتقريع، وهو جواب القسم بيوم القيامة وبالنفس اللّوامة، يقول سنجمع عظامه للبعث. والآية نزلت في عديّ بن ربيعة، قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: حدّثني عن يوم القيامة متى يكون؟ وكيف أمر القيامة وحالها؟ وقال: لو عاينت ذلك اليوم يا محمد لم أصدقك، ولم أو من به! وقال: أو يجمع الله العظام؟! ولهذا كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يدعو: «اللهم اكفنى جاريّ السوء - عديّ بن ربيعة، والأخنس بن شريق» . وقيل: بل نزلت في أبى جهل حين أنكر البعث بعد الموت. وكانت الآية: (بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ) (4) هي الردّ على سؤال عديّ؛ وقوله «بلى» من جماليات السورة، وهي وقف حسن بمعنى نحن قادرون؛ وتسوية البنان حجة على قدرة الله، ونبّه بالبنان على بقية الأعضاء، والبنان أصغر عظام الإنسان، يقول: بلى قادرين على أن نعيد السلاميات على صغرها ونؤلف بينها حتى تستوى، ومن يقدر على هذا فهو على جمع العظام الأكبر منها أقدر. وفي العلم الحديث: كشف أن البنان به تجاويف وخطوط على شكل أقواس أو عراو أو دوامات، وبهذه التجاويف لا يشبه