فهرس الكتاب

الصفحة 1193 من 2524

والفتنة ذكرى للناس وعظة لهم وتذكرة، وهؤلاء الضالون أعرضوا عنها كالحمر النافرة، يريد كل منهم أن يؤتى بكتاب وحده ليقتنع، وفي الرواية أن أبا جهل قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: يا محمد! ايتنا بكتب من ربّ العالمين مكتوب فيها: إني قد أرسلت لكم محمدا!! وقال ابن عباس: كان أهل قريش يطلبون من النبيّ صلى الله عليه وسلم إن كان صادقا أن يأتي كل رجل منهم صحيفة فيها براءته وأمنه من النار! فلم يكونوا يقدرون على الاتّعاظ والتذكّر، ولو فعلوهما لوجدوه تعالى أهلا للتقوى والمغفرة، وفي الحديث عند الترمذى: «قال الله تبارك وتعالى، أنا أهل أن أتّقى، فمن اتّقانى فلم يجعل معى إلها فأنا أهل أن أغفر له» .وفى السورة الكثير من وجوه البيان والبديع، ومن ذلك الاستفهام للتهويل كقوله تعالى: (وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ) ؛ والسجع المرصّع في مثل قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ(33) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ)، و (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ(45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ)؛ وقوله: (إِذْ أَدْبَرَ) يرجّح كثيرون أنه (إِذْ أَدْبَرَ) لأنه أكثر موافقة للحروف التي تليه: (إِذا أَسْفَرَ) ، فكيف يكون أحدهما (إِذْ) والآخر (إِذا) ؟ وليس في القرآن قسم تعقبه (إِذْ) وإنما يتعقبه (إِذا) . ومن وجوه البيان بخلاف ما سبق: الطباق كما في: «عسير ويسير» ، و «تقدّم وتأخّر» ؛ والمقابلة كما في: (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ(33) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ)؛ والتقريع الجميل، كما في الآية: (فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) ؛ والتشبيه كما في قوله: (مُسْتَنْفِرَةٌ(50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ)؛ والجناس كما في (نُقِرَ فِي النَّاقُورِ) إلى آخر ذلك من وجوه جمال الأسلوب القرآني؛ وأسلوب التأكيد في قوله: (كَلَّا وَالْقَمَرِ) ، وجاءت الصورة في القسم بالقمر في ساعات الليل الأخيرة، والصّبح يقارب الإسفار، غاية في الجمال، ولها التأثير الوجدانى المطلوب للإحساس بهول النار بعد ذلك مباشرة ووصف القرآن لها بأنها إحدى الكبر، أي العظائم. وأصحاب اليمين مصطلح قرآني، وهم أصحاب الحقّ وأهل الإيمان، وغيرهم «المرتهنون» ، وهو مصطلح آخر، يعني بهم الذين يدخلون في «الرهن» ، كقول تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (38) أي «مرتهنة» بكسبها ومأخوذة بعملها، فإما يخلّصها عملها وإما يوبقها، باستثناء أصحاب اليمين، فهؤلاء لا يرتهنون بذنوبهم، وفي قوله: (فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ) (48) يقصد بهم المرتهنون، وقيل إن هذه الآية دليل على صحة الشفاعة للمذنبين من أهل التوحيد، ولا شفيع يشفع للمكذّبين. فذلك وأمثاله كثير، هو بعض ما في هذه السورة العظيمة من معان كبيرة، ووجوه للجمال رائعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت