«الله أكبر» ، فكبّرت خديجة. وقوله: (وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ) (4) المراد بالثياب على الظاهر: الملابس، وعلى المجاز العمل، أو القلب، أو النفس، أو الجسم، أو الأهل، أو الخلق، أو الدين، أو ذلك كله. وقوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) (6) يعني لا تمتن على ربّك أو على الناس، تستكثر من الخير، أو الأجر، أو الثواب، أو تستكثر بعملك. وقوله: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) (11) من أكمل العبارات في الوعيد والتهديد، ومعنى «وحيد» أنه لم يكن شيئا حين خلقه، ولم يكن له مال ولا ولد، ثم أعطاه كل ذلك فما شكر ولا حمد. والآيات من 11 حتى 29 كلها عن الوليد بن المغيرة، وماله الوفير، وأولاده الكثر وكانوا ثلاثة عشر، ومنهم خالد بن الوليد، وأطماعه في الزيادة، وعناده، وكفره، وما ينتظره من العذاب، وكان وصفه تعالى في الآيات من 18 حتى 25 من أروع ما قيل في التفكير والتبييت، قال: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) (25) ، فالوليد فكّر في شأن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهيّأ في نفسه ما يقول عنه، ولقد قدّر ما قدّر، قاتله الله ولعنه، وتدبّر ما يردّ به الحق ويدفعه، وقطّب بين عينيه في وجوه الناس، وكلح وجهه، ووقف لا يتقدم ولا يتأخر، ثم ولّى وأعرض، وتعظّم أن يؤمن، واستكبر على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال: إن هذا الدين ليس إلا سحرا يؤثر»، و «السحر» إظهار الباطل في صورة الحق، و «يؤثر» يعني يرويه الناس عن بعضهم البعض، و «ما هو إلا كلام بشر» ، يقصد بذلك أنه من وحي من يدعى سيارا، كان عبدا لبنى الحضرمى، وكان يجالس النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنسبوا إليه أن سيارا كان يعلّمه، وقيل كان الكاهن عديّ الحضرمى هو الذي يلقنه. وفى السورة تأتي أوصاف «سقر» الموعود بها الوليد وأصحابه، وفتنة العدد تسعة عشر، وهو عدد خزنة جهنم، وقال أبو جهل لقريش استهزاء: «أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم! وقال أبو الأسود بن كلدة الجمحى: لا يهولنكم التسعة عشر! أنا أدفع بمنكبى الأيمن عشرة من الملائكة، وبمنكبى الأيسر التسعة، ثم تمرون إلى الجنة. وقال الحارث بن كلدة: أنا أكفيكم سبعة عشر واكفونى انتم اثنين! - والحق أن هذا العدد قيل اختبارا لتصديق المؤمنين ليستوثقوا من كتابهم القرآن، وليتأكد أهل الكتاب أن القرآن من لدن الله، وما كان هذا العدد تسعة عشر إلا مثلا، والأمثال يجد فيها الكافرون فرصتهم في التقوّل، ويطمئن بها المؤمنون، والقول في عدد خزنة جهنم من الغيب، وجنود الله لا يعرف عددهم إلا هو، وما جعل الله هذا العدد تسعة عشر إلا فتنة للذين ضلّوا ليزدادوا ضلالا،