فلا تكون وجوههم معروفة، ويصبحون نكرات؛ وقوله: (فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها) (47) (النساء) يقوّى هذا المعنى فعلا، فتزال الأعين خاصة بالطمس، وتردّ في القفا، فيكون ذلك ردّا على الدبر، فيمشون القهقرى بدلا من أن يمشوا للأمام. وقيل إن كعب الأحبار اليهودي كان يمشى بالليل فمر برجل يقرأ: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا ... ) (47) (النساء) الآية، فوضع كفّيه على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته، وقال: خفت ألا أبلغ بيتى حتى يطمس وجهى! - وكلام كعب غير موثوق به وربما له خبئ. ويروّج اليهود أيضا أن عبد الله بن سلام وكان يهوديا كذلك - جاء النبيّ صلى الله عليه وسلم يبدى خوفه أن يحوّل وجهه في قفاه. والمستشرقون يعتبرون الآية زلة في القرآن! فالله - كما يقولون - يهدد أهل الكتاب بالطمس إن لم يؤمنوا، وهم لم يؤمنوا، ولم يفعل بهم ذلك! - واليهود والمستشرقون من ملّتهم على هذا القول، لأنهم ماديون، والآية تمثيل، والطمس كقوله تعالى: (وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ) (66) (يس) يعني أنهم وإن كانوا يرون، وأداة إبصارهم سليمة، إلا أن وظيفتها معطلة، فلم يعودوا يدركون الحق، مثل قوله تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها) (179) (الأعراف) ، فهذا هو المعنى المراد، وأخطأ من قال في التفسير أن من آمن منهم رفع الوعيد عن الباقين؛ ومن قال لا بد من طمس ومسخ في اليهود قبل يوم القيامة.
وهل كان الرسول صلى الله عليه وسلم قبلها يدعو إلى دين ناقص؟
يقول تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا) (3) (المائدة) ، فالإسلام أكبر نعمه تعالى على هذه الأمة، فلما اكتمل لم يعودوا يحتاجون إلى دين غير الإسلام، ولا إلى نبيّ غير محمد صلى الله عليه وسلم، وقبله كانت الأنبياء تترى يكملون بعضهم البعض، إلا الإسلام، فكان هو الدين الحاكم، ونبيّه النبيّ الخاتم، ولمّا كان بمكة لم تكن إلا فريضة الصلاة وحدها، فلما قدم المدينة، أنزل الله الحلال والحرام، إلى أن حجّ، فكمل الدين، فلا حلال إلا ما أحلّه، ولا حرام إلا ما حرّمه، وكل ما أخبر به هو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف، كقوله تعالى: (تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا) (115) (الأنعام) ، وباكتمال الدين تمت على المسلمين النعمة، وفي الخبر عن ابن عباس قال: «اليوم أكملت لكم دينكم» أي الإسلام، أخبر الله نبيه والمسلمين أنه قد كمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة، وأتمه بلا نقصان، ورضيه فلا يسخطه. وكان نزول الآية يوم عرفة، في يوم جمعة، وبعدها لم ينزل لا حلال ولا حرام، وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها