يسكن آدم وحواء الجنة سكنا لمدة، وبين أن يسكن الإنسان الأرض طوال حياته ولكي يعمّرها. وفي الحديث: «العمرى جائزة لمن أعمرها؛ والرّقبى جائزة لمن أرقبها» أخرجه ابن ماجه.
الشجرة التي أكل منها آدم وحواء رغم نهى الله لهما عنها، قيل: هي الكرم: ولذلك حرّمت علينا الخمر؛ وقيل: هي الحنطة، ولذلك جعلها غذاء آدم وبنيه من بعد ذلك لمّا تاب عليه؛ وقيل هي التين: ولذلك تعبّر في الرؤيا بالندامة لآكلها من أجل ندم آدم وحواء على أكلها. وليس في شيء من هذا التعيين ما يعضده خبر، والصواب أن نعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة فقال: (وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ) (35) (البقرة) ، فخالف هو إليها وعصى بالأكل منها، فكما عصى إبليس ربّه كان أيضا عصيان آدم، ولكن عصيان إبليس لم يكن عن اختيار، ولا هو محنة، على عكس اختيار آدم فقد كان محنة وأى محنة!
قيل الإنسان من النسيان، والله تعالى عهد إلى الإنسان فنسى العهد، كقوله: (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) (115) (طه) ، فكأن العهد كان لآدم ولبنيه من بعده، والنسيان كذلك كان صفة فيه وفي بنيه من بعده، ولم يقل الله تعالى «عصى» وإنما قال «نسى» ، لأن عصيان آدم كان بتأويل، وكان آدم يعتقد ألا يأكل من الشجرة، فلما وسوس إليه إبليس لم يعزم على معتقده، والشيء الذي عهد إلى آدم هو: ألا يأكل من الشجرة، وأعلم لذلك أن إبليس عدو له. والعزم هو الصبر - صبره عن أن يأكل من الشجرة، وأن يواظب على التزام الأمر، ومن ذلك قوله تعالى: (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) (الأحقاف 35) . وقيل: إن الله تعالى نهاه عن شجرة بعينها، وخدعه إبليس بأن النهي وقف عليها وليس على نوعها، وترك آدم الاستدلال، أو أنه لم يطبّقه، وما تعرفه ولا تطبّقه فكأنك تجهله، وكأن آدم لم يكن يعرف الاستدلال، فترك الشجرة المنهى عنها وأكل من أختها التي من جنسها، وكان أكله منها تأويلا وليس نسيانا، فمن قال بالنسيان أخطأ. وقيل: إن آدم لم يكن من أولى العزم من الرسل وقيل: إنه ما من نبيّ إلا وقد أخطأ أو همّ بخطيئة، فلو خرج آدم من جملة أولى العزم بسبب خطيئة، لخرج جميع