في الآية: (لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ) (11) (الرعد) أن الملائكة أصناف، ومنهم المعقبات، يتعاقبون بالليل والنهار، فإذا صعدت ملائكة الليل أعقبتها ملائكة النهار. والملائكة ذكران، فيقال في المفرد ملك معقّب، وفي الجمع ملائكة معقّبة، وفي جمع الجمع ملائكة معقّبات. والتعقّب هو العود بعد البدء كقوله: (وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ) (10) (النمل) أي لم يرجع. وفي الحديث: «معقبات لا يخيب قائلهن» يقصد التسبيح والتحميد والتكبير. والملائكة المعقبات وظيفتهم: حفظ العباد إلا من القدر، فإذا جاء القدر خلّوا بين المرء وبين قدره؛ و «من أمر الله» ، أي بأمر الله.
قال الكافرون: الملائكة بنات الله، وقال الله تعالى: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) (19) (الأنبياء) فالملائكة والخلق جميعا لله، فلا يجوز أن يشرك به ما هو عبده وخلقه، ولا يستكبر الملائكة ولا يأنفون عن عبادته، ولا يستحسرون ويعيون، من الحسير وهو المنقطع بالإغناء والتعب، يقال حسر ويحسر حسورا يعني أعيا وكلّ، وأحسرته فهو حسير، قيل: لا يملون ولا يستنكفون من عبادته، ولا يفترون ولا يسأمون.
يخبرنا الله تعالى أن الملائكة في تسبيح دائم له: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) (20) (الأنبياء) وتسبيحهم إلهام، يلهمونه كما يلهمون النّفس، والتسبيح لهم بمنزلة النّفس: قالوا: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) (30) (البقرة) ، والتسبيح تنزيه عمّا لا يليق على وجه التعظيم، ويشتق من السّبح وهو الجرى والذهاب، كقوله تعالى: (إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا) (7) (المزمل) ، يعني هم يجرون على التسبيح دوما، وتسبيحهم رفع الصوت بالذكر، يقولون: «سبحان الله» ، وفي الحديث أنه تعالى اصطفى لملائكته ولعباده أن يقولوا: «سبحان الله وبحمده» ، وفي ليلة الإسراء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع تسبيحهم: «سبحان العلى الأعلى، سبحانه وتعالى» . والتسبيح - صنو الحمد والتقديس، ويفيد التعظيم والتمجيد والتنزيه، وهو صلاة: (فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) (143) (الصافات) ، والمسبّحون هم المصلّون. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في ركوعه وسجوده يقول: «سبّوح قدّوس