فهرس الكتاب

الصفحة 2475 من 2524

هذه الجوارح الثلاث هي أهم الجوارح في الإنسان، ورئيسها الفؤاد أو القلب، وهو أشرف الثلاث، والقلب موضع الفكر، وقد يتأثر بالسمع والبصر لما بينها جميعا من ارتباط هو ارتباط الظاهر بالباطن، فالقلب للباطن، والسمع والبصر للظاهر. والسمع في الترتيب يأتي أولا، لأننا نسمع أولا، فإذا سمعنا توجهنا بالبصر إلى ما نسمع، فإذا سمعنا وبصرنا عقلنا، والعقل بالفؤاد، قال تعالى: (أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل 78) ، فعند ما نولد لا ندرك ولا نعلم، ثم يأتي الإدراك والعلم من بعد. وفي السمع إثبات النطق، لأن من لا يسمع لا يتكلم، وإذا وجد السمع وجد النطق. واستوجبت النّعم الثلاث الشكر على من يسمع ويبصر ويعقل، فإذا لم يعقل ويشكر فإنما لفساد القلب، وبالتالى فكأنه لم يسمع ولم يبصر: (أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) (النحل 108) فتعطّل السمع والبصر نتيجة لتعطّل القلب، وهذا هو معنى: (طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) ، كقوله: (خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ) (البقرة 7) ، فالختم يكون على القلوب وعلى السمع، والغشاوة تكون على الأبصار، ومعنى الختم على القلوب عدم الوعي بمخاطبات الله بالتفكير في آياته؛ ومعنى الختم على السمع عدم فهم ما يتلى عليهم من آيات الله، أو الدعوة إلى وحدانيته؛ ومعنى الختم على الأبصار عدم هدايتها للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته، ولا أقل في هذه الحالة من أن يوظّف السمع والأبصار، والحسيّ عموما، لرصد ما يصنعه كل إنسان، كقوله تعالى: (حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) (فصلت 20) . ويزعم المستشرقون: أن القرآن جعل الأبصار جمعا ولكنه وحدّ السمع، وكان يجب أن يجمع الأسماع؟ والجواب: إنما وحّده لأنه مصدر يقع للقليل والكثير، وهو اسم للجارحة المسموع بها سمّيت بالمصدر. ويأتي السمع مع الأبصار عشر مرات في القرآن، ولم يأت السمع مع البصر إلا مرة، كقوله: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا) (الإسراء 36) ، وفي المرات العشر فإن لكل قلب وبصر ما يشغله، ولذا كان التعبير عنها بالجمع، فإن كان السمع للجميع واحد، نقول سمعا ولا نقول أسماعا. وفي الحديث عن هذه الجوارح باعتبارها أعضاء أوردها مفردة، فالفؤاد في الآية كجارحة يسأل عمّا افتكر فيه واعتقده، والسمع والبصر عمّا رأى من ذلك وسمع، وعبّر عن السمع والبصر والفؤاد «بأولئك» ، لأنها حواس مستقلة لها إدراك، وجعلها في هذه الآية مسئولة، وجعل لها وللجلود - وهي من الحواس أيضا - شهادة. ومجئ السمع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت