فهرس الكتاب

الصفحة 1439 من 2524

السلام، وصلاته بالليل والناس نيام». والخلّة إذن ليست مسألة إيثار ولكنها استحقاق عن جدارة.

751 -دليل إبراهيم الكوني على وجود الله

هذا الدليل يسميه القرآن: (مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) في قوله تعالى: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (75) (الأنعام) ، فاليقين في حالة إبراهيم يتأتى بالدليل، وإبراهيم كان إيمانه عقليا استدلاليا، وبداية تفكيره كانت السؤال المعهود عند أصحاب الفكر من الفلاسفة: كيف خلق هذا الكون، ومن خلقه؟ والسؤال البسيط يناسب المرحلة الطفولية بالنسبة له كإنسان، وجوابه عليه يلخص تاريخ الديانات منذ البداية: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ(76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) (78) (الأنعام) ، ففي التاريخ تعبّد الناس للكواكب، وبدءوا بأكبرها وانتهوا إلى القمر ثم الشمس، فإذا ارتقوا في التفكير انتقلوا إلى التجريد والتوحيد، واعتقدوا في الله فاطر السماوات والأرض، وكانت ديانة التوحيد الأولى في التاريخ هي الحنيفية، عني بها إبراهيم الميل إلى الحق ومجانبة الشّرك. والملكوت في الآية اصطلاح كالرغبوت والرهبوت والجبروت، وهو الملك، زيدت عليه الواو والتاء للمبالغة. وأفول الكواكب في منطق إبراهيم أقوى من ظهورها في الاستدلال، واستدلاله يتميز بمهلة النظر، وقوله: هذا ربّى» ليس إشراكا، لأنه على قولهم وليس على قوله، ولأنهم كانوا يعبدون الكواكب. فلما بلغ اليقين بطريقته كان عليه أن يدعو إلى معتقده ويجادل عنه: (وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) (80) (الأنعام) ، والمحاجاة: جدل ومقارعة الحجة بالحجة، والحجة العقلية تناسبها حجة من نوعها، والإيمان في منطق إبراهيم، فطرى، ومن يرد التثبّت يثبّته الله ويجلّى بصيرته، وأكثر ما يظهر الإيمان على الوجه فخصّه بالذكر، قال: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (79) (الأنعام) ، ولم يبد أي خوف لأن ما كانوا يعبدونه من دون الله لا يضر ولا ينفع، وحجّته التي ينوّه بها القرآن هي قوله: (وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت