فهرس الكتاب
النبيّ يحيى
فى الأبوكريفا، أي كتب العلوم الباطنية اليهودية أن اسم يحيى، هو يوحنا، وكذلك في الأناجيل، من يوحانان أو يوحنان أي حنان الله كما نقول «لطف الله» ، و «منّة الله» ، و «عطية الله» . وفي القرآن هو يحيى، لأنه رغم ما سيجري له سيظل اسمه حيا في النفوس ويتذاكره الناس؛ والاسم نبوءة بما ينتظره من القتل، وكأن الاسم نقيض المآل؛ وهو يحيى لأنه عاش بين أب شيخ وأم عجوز، فهو الحيّ بين اثنين من الموتى؛ وأخيرا هو يحيى، لأنه كان معجزة حية، فقد ولد لأب عجوز قد بلغ من الكبر عتيا، وأم عاقر ظلت كذلك طوال حياتها مع زوجها زكريا. واسم أمه اليصابات بالإغريقية، واليشبع بالعبرية، يعني «قسمة» ، أو «قسمة الله» ، يعني ما قضى الله سبحانه به عليها. وفي إنجيل لوقا هو يوحنا المعمدان، لأنه كان على مذهب المعمودين، وهم الذين كانوا يقبلون العماد بعد أن يعترفوا ويعلنوا التوبة، فيعمّدهم يوحنا في نهر الأردن، والعماد هو الاغتسال بقصد التطهّر، والمعموديون كانوا متطهّرين، ولم يخترع يحيى العماد، فواضح أنه كان موجودا منذ إبراهيم ولوط، وعاب قوم لوط عليه أنه ممن يتطهّرون (الأعراف 82 والنمل 56) . والعماد في النهر عند الهندوس، وإسهام يوحنا فيه أنه عمّمه وأعطاه قداسة، وعمّق معناه، وجعله آية المؤمن، فالعماد كالختان، والأول دليل التوبة الأبدية، والثاني دليل الطاعة والانقياد لله، ولمّا حملت مريم في المسيح، كانت أم يحيى حاملا فيه في ستة شهور، ويحيى على ذلك أكبر من المسيح بستة شهور، وتركز الأناجيل على يحيى باعتباره داعية للمسيح، لا باعتباره داعية لله. ونشأ يحيى زاهدا، وسلك كالنّبي إلياس (إيليا) ، فكان يلبس الصوف، ويشدّ على حقويه منطقة من الجلد، ويطعم مما في الطبيعة من أوراق الشجر والثمار البرية، والجراد، والعسل البرى، وهو مثل أعلى للصوفية ويقتدون به، وكان عمله أن يصرخ في الناس محذّرا وداعيا إلى التوبة، ولذا اصطدم بعنف بالحاكم العبراني هيرودس وزوجته هيروديا، وكانت من قبله زوجة لأخيه، ولكنها عشقت هيرودس، وخانت زوجها معه، ثم تآمرت عليه مع عشيقها، وأوعزت إليه أن يقتله وهو أخوه، وأحنقها يوحنا أن يلغط في حقها، ويؤلّب زوجها عليها، فكادت له وسجنته، وحرّضت ابنتها سالومى أن توسوس لهيرودس أن يقتل يوحنا، وأن يحضر رأسه إليها على طبق، وأسكرت سالومى هيرودس إلى أن طلب إليها أن ترقص له، فامتنعت إلا أن يحضر لها رأس يوحنا! وكان أن أحضره لها،