بن الخطاب الموت لمّا طعن في السن فقال: «اللهم كبرت سنى، ودقّ عظمى، وانتشرت رعيتى، فاقبضنى إليك غير مفرط ولا مضيّع» ، والكبر في السن ليس ضرا وإنما هو شيء طبيعي يأتي حتما في سن معينة، وفي حديث عمر نتبين حبّ لقاء الله، وفي مثل ذلك كان الحديث: «من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» ، وفي الآية إذن، والأحاديث سواء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أو عن عمر لا تعارض ولا نسخ ولكنها جميعا تكمل بعضها البعض، ولكل معناه ومناسبته ومجاله.
الآية: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ) (الرعد 6) : زعموا أنها منسوخة بقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) (النساء 48 و 116) ؛ وقالوا: إن ظلم الناس كما يفهم من سياق الآية هو الشرك، ومع ذلك لا تتعارض الآيتان، فالآية الأولى تفيد أنه تعالى يغفر للمشرك إن رجع عن شركه وأناب إلى الله، وأما المصرّ فإنه شديد العقاب له على كفره، والآية خبر، ومثلها في ذلك مثل الآية الثانية التي تفيد نفس المعنى، فكيف يقال إن إحداهما منسوخة والأخرى ناسخة وكلاهما خبر؟ ثم إن سورة الرعد كان ترتيبها في التنزيل العاشرة في السور المدنية، والنساء ترتيبها السادسة، ولا ينسخ المتقدم المتأخر.
الآية: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (3) : قالوا: إنها منسوخة بآية السيف، والصحيح أنه لا نسخ هناك، لأن الآية وعيد وتهديد وذلك لا ينافي قتال الكافرين، فلا وجه للنسخ.
والآية: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (85) : قيل: هذه الآية في كفار مكة، وتحضّ النبيّ صلى الله عليه وسلم على أن يصفح ويتجاوز عنهم، ويعفو عفوا حسنا، مثل قوله: (وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) (10) (المزمل) ، ثم نسختها آية السيف التي تقول: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة) ، أو الآية: (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) (النساء 91) ، والصحيح أن الآيتين محكمتان ولا نسخ هناك، فلقد أمره بالصفح في حق نفسه فيما بينه وبينهم، والصفح هو الإعراض، وهذا في أهل النفاق، وأما آية السيف ففي المشركين الذين بدءوا المسلمين بالقتال وعادوهم.