فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 2524

الأنبياء معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وبصفاته، وبالتشكّك في شيء من ذلك. والآثار والأخبار تتعاضد بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا. ونشأة كل الأنبياء على التوحيد والإيمان، وإشراق نور المعارف، ونفحات ألطاف اليقين. ومن يطالع سير الأنبياء منذ صباهم إلى مبعثهم يتحقق من ذلك، وهو ما عرفناه من أحوال إبراهيم، وموسى، وعيسى، ويحيى، وسليمان، فقال تعالى في يحيى: (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (12) (مريم) ، أي أن يحيى أعطي العلم بالله منذ صباه، ووصفه فقال: (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ) (39) (آل عمران) ، يعني أنه صدّق بعيسى وهو ما يزال صبيا؛ وقال تعالى في عيسى أنه كلّم أمه لما ولد، قال: (وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي) (7) (القصص) ، وقال: (إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) (30) (مريم) ، وقال في سليمان وكان صبيا: (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا) (79) (الأنبياء) ، وأما إبراهيم فقد ألقي في النار وهو ابن ست عشرة سنة، وإسماعيل ابتلى بالذبح وهو صبي يافع؛ وكان استدلال إبراهيم بالكواكب والشمس والقمر وعمره خمس عشرة سنة؛ وأوحى إلى يوسف وهو صبي. غير أنه في هذه الآية: (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ(52) صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) (53) (الشورى) قد يظن أن الله تعالى قد نفى أن يكون نبيّنا صلى الله عليه وسلم كان يدري شيئا عمّا يكون معنى أن يتنزل كتاب من عند الله، أو معنى الإيمان بالله، فهل كان هذا صحيحا؟ وهل النبيّ صلى الله عليه وسلم وحده بين الأنبياء الذي لم يكن يدري ذلك؟ والمتأمل لسيرة النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يجد أن ذلك حق، والنبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «لمّا نشأت بغّضت إليّ الأوثان، وبغّض إليّ الشعر، ولم أهمّ بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين، فعصمنى الله منهما ثم لم أعد» . فلم يحدث في كل ما رمته به قريش من تهم وأكاذيب، أن قال واحد منهم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصلى معهم يوما إلى الأصنام، ولو كان قد فعل، لكانوا أول من يبادرون إلى إعلانه وتعييره به. فبما ذا كان يتعبّد النبيّ صلى الله عليه وسلم إذن في الجاهلية؟ والجواب من السيرة النبوية، فلم ينسب النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى واحد من الأنبياء كموسى وعيسى، بحيث يكون من أمته، ولا سجد لصنم، ولا أشرك بالله، ولا زنى، ولا شرب الخمر، ولا كانت له مع المشركين مسامرات وسهرات، ولا حضر حلفا من أحلاف الجاهلية، كحلف المطر، وحلف المطيبين. فبما ذا إذن كان يؤمن قبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت