سيفه ليقتله من ورائه، فحماه الله وعصمه، فخرجا من المدينة، فانطلقا في أحياء العرب يجمعان الناس لحربه صلى الله عليه وسلم، فأرسل الله على أربد سحابة فيها صاعقة فأحرقته، وأما ابن الطفيل فأرسل الله عليه الطاعون ومات.
كان هذا الردّ من طائر صغير الشأن، كبير القدر، هو الهدهد، وكان هو قول الهدهد لسليمان: (أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) (22) (النمل) ، فأعلمه ما لم يكن يعلمه سليمان. وفي الآية دليل على أن العلم ليس احتكار العلماء، ولا الأنبياء، وأنه لا النبيّ ولا العالم يمكن أن يعلما الغيب إلا ما يأذن به الله.
ما كان محمد صلى الله عليه وسلم يعلم ما تخبئه المقادير، ولا ما ذا يجري له غدا، ولو كان يعرف ما يراد منه من قبل أن يعرفه لفعله، كقوله: (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ) (188) (الأعراف) ، والقائد إذا تسنّى له أن يعرف الغيب انتصر في الحروب، وبعض الحروب خسرها النبى صلى الله عليه وسلم، والتاجر الذي يعرف الغيب يتاجر بثقة ويعرف متى يقبل على الاتجار ومتى ينكص، ومحمد صلى الله عليه وسلم ما كان يجد قوت يومه، وكان أصحابه يشكون الجوع فما يملك ما يسدّ به جوعهم، إلا أن يطلب منهم أن يصبروا. ولو كان يعلم الغيب لكانت الساعة ضمن علمه، ولاستكثر من عمل الصالحات. ولو كان علم الغيب من علومه لاستطاع أن يجيب على كل ما سألوه عنه، ولما استطاع أحد أن يؤذيه أو يكيد له، وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل.
فى التراث الإسلامي أن إبليس رفض أن يسجد لبشر: (قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (33) (الحجر) ، وورث الناس عن إبليس هذه الدعوى، ورفضوا أن يكون الرسل من البشر: (قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) (15) (يس) ، وشكّكوا في رسالاتهم، قالوا: (أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا) (6) (التغابن) ، واستكبروا أن يتّبعوا رسولا من البشر: (فَقالُوا أَبَشَرًا مِنَّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ) (24) (القمر) ، وقالوا عن كل نبيّ: (ما نَراكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنا) (27)