فهرس الكتاب

الصفحة 1740 من 2524

وقتها»، وفي الحديث عن التوبة: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» ، والغرغرة هي الحشرجة، وذلك هو حال التلبّس بالموت. ولقد وصف الله تعالى العذاب الذي كشفه عن أهل نينوى بأنه عذاب الخزى، لأنهم لم يعاينوه، وإنما وعدهم به يونس. وفي ذلك قال عليّ بن أبي طالب: إن الحذر لا يردّ القدر، وإن الدعاء ليردّ القدر، وذلك أن الله تعالى يقول: (إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) (يونس 98) ، وتخلص قصة القرآن إلى ما نخلص إليه منطقيا، وربما غاب عن يونس عند ما تسرّع ووعد أهل نينوى العذاب: أن الله لا يفرض الإيمان على الناس، ولو شاء ذلك لآمنوا، ويتساءل: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (99) (يونس) والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، والسؤال دليل على أن سبيل الإسلام ليس الإكراه على الإيمان، والمرء في الإسلام حرّ أن يختار أن يؤمن أو يكفر، وفي ذلك ردّ على دعاوى أن الإسلام قام على القهر، وبعد الرسول صلى الله عليه وسلم يكون الخطاب للدعاة، فالدعوة إلى الإسلام قوامها أن يختار المدعو في حرية، مثلما فعل قوم يونس، فلم يقسرهم الله على الإيمان بعذاب أنزله بهم، وإذا كان يونس قد استنزل العذاب على قومه، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد عذر قومه ودعا لهم. والإيمان قضية عقل، ولذا يقول تعالى عقب هذه الآيات: (قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (الإسراء 101) ، والنظر الذي يأمر به الله كسبيل إلى الإيمان من اختصاص العقل، ولذا قال تعالى: (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) (100) (يونس) ، أي لا يعملون عقولهم وأفهامهم، ولا يعتبرون، والرجس هو العذاب. وفضيلة قوم يونس أنهم اعتبروا بسرعة وفهموا في الوقت المناسب.

فتلك إذن فضائل قصة يونس كما أوردها القرآن، لا تقارن بها قصة التوراة، ولا بما استخلصه النصارى منها لإثبات الفداء، ولهذا كان الإسلام دينا قيّما، والقرآن كتابا مهيمنا.

كلام المستشرقين في لقمان كثير، ولمّا لم يجدوا اسمه في التوراة - وكل شيء في القرآن يريدون أن ينسبوه إلى التوراة - قالوا تسخيفا لشأنه، واستهزاء بأمره، أنه شخصية أسطورية من عصور الجاهلية العربية، يسمونها إمعانا في تحقيرها - ببربرية العرب، أو همجيتهم، أو وثنيتهم paganism. والذين تناولوا قصة لقمان اعتبروها من الفولكلور العربي، وأنكروا أن يكون هناك شخص حقيقي باسم لقمان، واعتبره المستشرق رينيه باسيه مستعربا من أصول حبشية أو سودانية، وقال في وصفه عن المصادر العربية: أنه كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت