فهرس الكتاب

الصفحة 1738 من 2524

يونس دليل على أن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، والتسبيح باللسان لا بد فيه أن يوافق الجنان، وفي الحديث: «من استطاع منكم أن تكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل» ، والعمل الصالح المخفيّ هو ذخر ليوم الفاقة والفقر. والتسبيح أنجى يونس، فنبذ بالعراء - أي الصحراء، وهو سقيم، أي كالمنفوس، وفي الآية الأخرى: (لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ) (49) (القلم) ، يعني أنه على الحقيقة لم يكن مذموما، وكان مرضيا عنه رغم كل شيء، ولذلك قيل: (فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (50) (القلم) أي اختاره، والاختيار لا يكون إلا للأصفياء، ولذا أنبت الله تعالى اليقطين يظله بها ويطعمه بلحمها، حتى تقوّى فأرسله إلى أهل نينوى وكانوا مائة ألف أو يزيدون، والعدد هنا للتقدير وليس للحصر. وفي العفو عنهم تأتي الحكمة البليغة في القرآن عنهم في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ(96) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (97) فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (98) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) (100) (يونس) وهي آيات من جوامع الكلم، وفيها المواعظ والعبر والدروس المستفادة، فما من قوم يغضب الله عليهم إلا بمعصيتهم، وأمثالهم مهما سقت إليهم من الدلائل والبراهين لا جدوى معهم إلا أن يأخذهم الله بالشدّة، إلا قوم يونس ومن على شاكلتهم، فكاد الله يأخذهم بالعذاب، لولا أن تابوا قبل أن يعاينوه، فنجّاهم الله لمّا آمنوا، وقبل أن ينزل بهم البلاء. ونفيد من ذلك أن المعاينة التي لا تنفع معها التوبة هي التي يكون العذاب فيها متلبسا كما في قصة فرعون: (حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ(90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ) (92) (يونس) ، وكانت لذلك قصة يونس تالية على قصة فرعون، لأن فرعون «آمن حين رأى العذاب» فلم ينفعه إيمانه، بينما قوم يونس «تابوا قبل أن ينزل بهم العذاب» ، ونزوله - أي العذاب - مرهون بغضب الله، فكان ذلك دليلا على أن الله تعالى لم يكن قد غضب منهم بعد. وتدحض هذه المواعظ في القصة القرآنية دعوى نولدكه أن القصة التوراتية لم تعجب محمدا إلا للحوت الذي بها والذي يصنع منها «قصة للأطفال» ! وإنما جاءت صياغة القصة القرآنية صياغة تستدعى التدبّر والتفكّر وتدفع إلى الاستنباط، فكانت قصة عظيمة بكل المقاييس، وهو ما تفتقده قصة التوراة. ولعل أبرز ما في قصة القرآن قولها «بالتوبة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت