فهرس الكتاب

الصفحة 1736 من 2524

تلقى الضوء على شخصية يونس، ومن ملابسات القصة أنه كان ضيق الصدر، فلما حمل أعباء النبوّة تفسّخ تحت حملها الثقيل، فمضى على وجهه كالآبق. ومعنى أبق أي هرب. فهل كان خروجه المغضب هذا قبل أن يبلّغ أهل نينوى رسالة ربّه، أم كان بعد أن بلّغها لهم فوجد منهم الصدّ، فوعدهم العذاب بعد أربعين يوما ثم رحل عنهم؟ أم أنه انتظر فلما رأى العذاب قد رفع ولم يعلم أن الله قد تاب عليهم، ذهب مغضبا فكان ما كان من أمر الحوت معه؟ أم أن قصته مع الحوت كانت قبل الإبلاغ، فلربما جاءه التكليف وكان عليه أن يرحل فورا دون أن يعدّ نفسه، فكان ضيق الصدر، فخرج مغاضبا من أجل ربّه، ساخطا على أهل نينوى أنهم كانوا سبب كل هذه المشقة والكلفة؟ وفي جميع الأحوال فليس خلق يونس من خلق الأنبياء، ولذا قال الله تعالى لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم: (وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ) (48) (القلم) ، و «صاحب الحوت» اسم آخر ليونس يشتهر به. «ومكظوم» يعني مكروب أو مغموم، ولذا قال «ونجيناه من الغمّ» . والمقارنة بين النبيّ صلى الله عليه وسلم ويونس في الآية السابقة هي التي جعلت الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه فيقول: «لا ينبغي لأحد أن يقول أنا - يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم - خير من يونس بن متى» أخرجه الشيخان. والغم والكظم صارا من المصطلحات الوجودية وليس لهما ضريب في قصة التوراة، الأمر الذي يجزم إمّا بسبق القرآن إلى أمثال هذه الحالات الوجودية، وإما أن الفلاسفة الوجوديين وأخصهم كير كجارد وبسكال قد قرءا ترجمة القرآن، وهما فعلا قرءاه، وخاصة بسكال، وتأثّرا بأمثال هذه المصطلحات في النسق القرآني الذي تضمّنها. وقوله تعالى: «فساهم» يعني قارع، من السهام التي تجال، وقد كان يونس «من المدحضين» أي المغلوبين، فلما رموه التقمه الحوت، ولا يلام الحوت، لأن الملوم هو يونس الذي كان منه ما استحق به هذا الجزاء، «فلولا أنه كان من المسبّحين» أي الذين يذكرون الله، للبث في بطن الحوت إلى يوم البعث عقوبة له. والاختلاف بين المفسرين على المدة التي أقامها، فمنهم من زاد على الرواية اليهودية وقال أربعين يوما، لأن الرقم أربعين عرفناه من قبل مع موسى في الجبل، ومنهم من قال سبعة أيام، والعدد ثلاثة أيضا له أسراره، ومنهم من ذكر أن ذلك تم سريعا تماما مثل حمل مريم، فتلك أعمال ربّانية وليس للوقت فيها حساب. وفي فقه إلقاء يونس في البحر لمّا عصى، ينفرد الإسلام بأنه لا يجوز إلقاء العاصي بعصيانه في البحر ولا في النار كما في قصة إبراهيم، ولا يجوز قتله، وإنما تجري عليه الحدود ويعزّر على مقدار جنايته. وكذلك لا يجوز ضرب القرعة على من كان في سفينة في البحر بقصد تخفيف وزنها حتى لا تغرق ثقلا، أو بقصد أي شرّ وتسبيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت