فهرس الكتاب
سذّجا في حبهم لقصة يونس، فالنصارى كذلك أعجبوا بها، واعتبروا تضحية يونس إرهاصا بالفداء الذي سيعلنه المسيح من بعد، وقالوا لو كان اليهود تنبهوا لما في القصة من العالمية بمناسبة الحب المتبدّى فيها لكل الأمم، لبشّروا بدينهم العالم كله، ولاعتنقه كل البشر، وذلك ما لم يحدث طبعا، وإنما الذي فعل ذلك المسلمون، فقد ورد في القرآن في القصة: أن الله ينجّى من العذاب كل الناس بصرف النظر عن أجناسهم، إذا كانوا من المؤمنين، كقوله: (وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (88) (الأنبياء) ، ولم يكن هذا التوجه العالمي في الإسلام مقصورا على قصة يونس، ولكنه توجه عام وشامل لكل ما يدعو إليه الإسلام، والإسلام أصلا ديانة عالمية وليس كاليهودية، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم مكلفا بأن يبلّغ الدعوة للناس كافة، الأحمر منهم والأصفر والأسود والأبيض، فلو آمنوا بصرف النظر عن أجناسهم لاستحقوا المغفرة حقا وارتفع عنهم العذاب. ويذهب علماء الأديان المقارنة من أمثال هوروفتس إلى أن قصة يونس تشبهها قصة ميتافنداكا في الأدب الديني البوذى، وكان ميتافنداكا هذا مسافرا ذات مرة في مركب، فوقفت بركابها في اليوم السابع وسط البحر لا تتحرك، فضرب البحارة القرعة، فوقعت سبع مرات متوالية على ميتافنداكا، فألقوا به في البحر، وألقوا معه بعود من الخشب ليتعلق به أو يمتطيه طافيا إلى أي شاطئ، وواضح أن الجزء الأول من القصة البوذية يشبه قصة يونس التوراتية، ولكنه يخلو من أهم أجزائها وهو قصة يونس مع الحوت. وبالمقارنة بين القصة البوذية والقصة التوراتية والقصة القرآنية يقر نولدكه بعظمة قصة القرآن رغم كل شيء، فإن أردت أن تستمتع بالقصة كأدب فاقرأها في القرآن حيث الأسلوب البليغ والكلام الرائع. وفي رأينا أن جمال قصة القرآن أنها مجملة في تفاصيلها، والعناية فيها تتوجه إلى الموعظة والدرس المستفاد. وانظر إلى قوله تعالى: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ(139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ) (148) (الصافات) . والقصة هنا فيها القرعة كالقصة البوذية وليس كقصة التوراة؛ ثم إن التكليف في قصة التوراة لا نعرف مصدره، وفي قصة القرآن مصدره الله؛ وفي قصة التوراة نعرف أنه كان هناك خمسة أنبياء في إسرائيل بخلاف يونس، وربما هذا ما جعل يونس يتساءل لماذا اختير هو لمهمة الإبلاغ لهؤلاء القوم دون غيرهم، ولعله لهذا هرب، وبالتعبير القرآني الجميل «ذهب مغاضبا» ، واستخدام صفة الغضب لوصف حالته