فهرس الكتاب
والسورة حافلة بالصور البليغة الرائعة، ومن ذلك صيغ المبالغة في كلمات مثل حلّاف، وهمّاز، ومشّاء، ومنّاع؛ والجناس: في مثل مجنون، وممنون؛ والكناية: في مثل: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ) ، كقول القائل عن الحرب: شمّرت عن ساقها؛ والطباق: في مثل: المسلمين، والمجرمين؛ والتوبيخ الفائق، في مثل: (ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) ؟ (أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ) ؟ والسجع المحبوك: في مثل: (ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ) . والحمد لله ربّ العالمين على نعمة القرآن، والله سبحانه وتعالى الموفّق للصواب.
الحاقة من السور المكية التي مدارها العقيدة، وترتيبها في المصحف التاسعة والستون، وكان نزولها بعد الملك، وترتيبها في التنزيل الثامنة والسبعون، وعدد آياتها اثنتان وخمسون آية، وقيل فيها إنها تجير من الفتنة، وهي نور لقارئها يوم القيامة. ومعنى الحاقة: يوم القيامة، وهو يوم الحقّ، لأن الأمور تحقّ فيه من غير شك، فلأقوام تكون الجنة، ولأقوام تكون النار، ويصير كل إنسان حقيقيا بجزاء عمله، من حاققته فحققنه أحقّه، أي غالبته فغلبته، فالقيامة حاقة لأنها تحقّ كلّ محاقّ في الدين بالباطل، أي كل مخاصم، ويقال لها الحاقة، والحقّة، والحقّ. والسورة كل مدارها لذلك يوم القيامة أو البعث، وصورها البلاغية عن هذا اليوم، وفيها الوصف التفصيلى لمآل المنكرين له، وقد أنكرته ثمود، وعاد، وفرعون، وقوم نوح، والمؤتفكات - أي قوم لوط، فأخذهم الله أخذة رابية - أي شديدة. فإذا كان هذا اليوم ونفخ في الصور، فإن الواقعة تقع، فتدكّ الجبال، وتنشق السماء، ويبعث الناس يعرضون على الحاسبين، فلا تخفى منهم خافية، فمن يؤتى كتابه بيمينه فهو في عيشة راضية، في الجنة العالية، ومن يؤتى كتابه بشماله فهو في الجحيم يصلى نارا حامية، استحقاقا بإنكاره لله، وعزوفه عن الصلاح. وتثنى السورة على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتؤكد أن ما يبلّغه من القرآن هو قول رسول كريم، وتنفى عنه أنه شاعر أو كاهن، أو أنه يتقوّل على الله، وإذن لأخذ منه باليمين وقطع منه الوتين، وقوله هو حق اليقين، يعني به القرآن، لا مرية فيه ولا شك ولا ريب، فسبحان الله العظيم الذي أنزله! والسورة بها الكثير من وجوه البيان، من مثل الإطناب تهويلا في قوله: (الْحَاقَّةُ(1) مَا الْحَاقَّةُ)؛ ولجوئه للتفصيل بعد الإجمال في قوله: (فَأَمَّا ثَمُودُ وَأَمَّا عادٌ) ؛ واستخدامه التشبيه المجمل في قوله: (كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ) ؛ والاستعارة في قوله: (لَمَّا طَغَى الْماءُ) ؛ والجناس في قوله: (وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) ؛ والمقابلة في قوله: (بِيَمِينِهِ) (الحاقة 19)