فهرس الكتاب

الصفحة 1303 من 2524

الصلاة، ولكن لأنه في باطنه كافر وإن أظهر التقوى شكلا، فإنه يسهو دوما عن الصلاة، فلا يصليها لوقتها، ولا يتذكر هل أتمّها أو لم يتمها، وهل سجد سجدة أو سجدتين، ولا يهمه إن تركها، ولا يعتقد أن لها أجرا، فصدق عليه قوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) (59) (مريم) ، وقوله (وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا) (142) (النساء) ، ولو كان الكلام في السورة عن الساهين عن صلاتهم فقط، لكان المقصود بهم المؤمنون، ولكنه حدّدهم فقال: (الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ) ، فنعلم أنهم المنافقون. والسهو «عن» الصلاة فعل المنافقين، وأما السهو «فى» الصلاة فهو فعل المؤمنين، لأنه ما من مؤمن إلا ويسهو «فى» صلاته، والسلامة من السهو محال. والمنافقون يصلون تقيّة، ليقال أنهم يصلون. والمراءاة أو النفاق أسلوب حياة، يمارسه المنافق إذا لبس، أو صلّى، أو تصرّف مع الغير. والمنافق في مجال العلم يتعالم. والإظهار نفاقا أو رياء ليس كالإظهار لصالح الأعمال. والرياء: هو طلب الشهرة والسّمعة. وكلمة رياء تعنى: أن يرى الناس بعيونهم المصلّى وهو يصلّى، فيثنون عليه. والصلاة كفريضة فيها العلن، ولكن الزكاة تفعل سرّا، ولهذا يظهر المرائي الصلاة ويمنع الزكاة، وهو معنى: (وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ) (7) . والماعون هو الزكاة، فلو خفيت الصلاة كما خفيت الزكاة، ما صلى المراءون. وقيل الماعون إطعام الطعام، أو هو المعونة أيا كانت.

السورة مكية، وآياتها ثلاث، وكان نزولها بعد «العاديات» ، وترتيبها في المصحف الثامنة بعد المائة، وفي التنزيل الخامسة عشرة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد توفى ابنه القاسم فشمت فيه الكفّار، وتحدّثوا بأنه قد صار أبتر، أي منقطع الولد؛ وقيل: إن الذي وصفه بذلك العاص بن وائل؛ وقيل: عقبة بن أبي معيط، أو أبو لهب؛ وقيل: أبو جهل؛ وقيل: إن قريشا لمّا أوحى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا إلى الله، قالوا: انبتر محمد، أي انقطع عنا وخالفنا، فنزلت السورة تخبر أنهم هم المبتورون، وأن من يكرهه ويكنّ له البغض هو الأبتر، بتر نفسه عن رحمة الله. ويناسب ذلك أن يخير الله تعالى نبيّه بأنه في المقابل قد أعطاه نقيض ما ذكروا عنه، وهو الكوثر، أي كثرة الأصحاب والأتباع، والمؤمنين برسالته إلى يوم الدين، وهؤلاء في كل أنحاء العالم لا يعدّون ولا يحصون، وكلهم إذا ذكر اسمه تلهج ألسنتهم بالصلاة والسلام عليه، ويحيون سنته. والكوثر في لغة العرب: هو الشيء الكثير: يقال: عنده المال كوثرا، وهو رجل كوثر، أي خيره عميم. ومن قال: إن الكوثر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت