فهرس الكتاب

الصفحة 1772 من 2524

الله طوعا بلا علّة، نفسية أو عضوية، لأنه كان نبيا من الصالحين، يعني من المخلصين الذين كرّسوا أنفسهم للعبادة وللخدمة، وصلاحه أنه يؤدى لله ما يقرّبه إليه، ويؤدى للناس ما تقوم به حياتهم في الدنيا والآخرة.

اسم «يحيى» من الحياة، لأنه سيموت ويقتله أعداؤه ولكنه «يحيا» بعدهم، ويظل اسمه تردده الألسنة بالذكر الحسن، ومن ذلك أنه ما من نبيّ قال عنه ربّه مثلما قال عن يحيى، قال: (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) (15) (مريم 15) . وأوحش ما يكون ابن آدم في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيخرج إلى دار الهمّ والغمّ، ويوم يموت فيعانى السكرات ويدفن في التراب ويترك وحيدا إلا من جيران من عظام ورمم، ويوم يبعث حيا فيشهد ما لم يشهده من قبل مما يشيب له الولدان، فأما يحيى فله السلام في هذه المواضع الثلاثة، فلم يبك لمّا ولد، ولا اغتمّ يوم قتل، ويوم يبعث، فبعثه عند ربّه في جنات وعيون. وهو في الثلاثة: الحيّ الذي لا تموت له ذكرى أبدا، وقال فيه المسيح: «لم يقم بين المولودين من النساء من هو أعظم من يوحنا المعمدان» (متى 11/ 11) ، وكان يوحنا يعيش مثل إيليا النبيّ، ويلبس مثله، ولم يكن يظن أنه شيء، وقال عن نفسه إنه: «صوت صارخ في البرية» (يوحنا 1/ 13) ، وسنظل نذكر اسم قلعة «مخيروس» المطلة على البحر الميت لأن يوحنا سجن بها إلى أن قتلوه وفصلوا رأسه، ثم حملوا الجسد الطاهر إلى «سبسطيا» ودفنوه هناك بجانب قبر النبيين اليسع وعوبديا، فالشبيه يسعى إلى شبيهه، وأما تلاميذه فتبعوا المسيح كطلب معلمهم (متى 14/ 3 - 12، ومرقس 6/ 26 - 29، ولوقا 3/ 19 - 20) ، فإن كان يوحنا قد مات جسدا فما ماتت تعاليمه وظلت حيّة، وظلت فرقته «المتطهرون» باقية أبدا.

كان زمن المسيح عجيبا بكل معاني الكلمة، ففيه قتل النبيّ زكريا رجما، قتله اليهود بموافقة مليكهم يوآش؛ وقتل النبيّ يحيى بالسيف، أهوى به الجلاد على عنق النبيّ في عهد هيرودس، وكانوا قد سجنوه في قلعة مخيروس على البحر الميت، مقيدا بالأغلال والأصفاد، ولما قتلوه فصلوا الرأس عن الجسد، وقدّموا الرأس على طبق إلى هيروديا الزانية امرأة هيرودس، والذين اشتركوا في الجريمة جميعهم من اليهود؛ وكما قيل - قتل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت