فهرس الكتاب

الصفحة 1771 من 2524

خاشِعِينَ) (90) (الأنبياء) ، فكأن يحيى كان هبة الله لزكريا، ومكافأته تعالى على تقواه؛ وإصلاحه لزوجه بأن جعلها تتهيأ للحمل، وتقوى عليه وعلى الولادة ثم الرضاعة، وهي مدة ثلاثين شهرا؛ وقوله يسارعون في الخيرات إشارة إلى زكريا وزوجته ومعهما يحيى، فكانوا جميعا محبّين للخيرات، وفاعلين لها، ويتّقون ربّهم ويدعونه لا ينسونه أبدا، لا في السرّاء ولا في الضرّاء، فمرة يدعونه شكرا ومحبة، ومرة دعاؤهم له خشوعا وخوفا. واسم «يحيى» كان هبة من الله أوحى به إلى زكريا، والاسم يلخص حياة صاحبه، ويحيى كان بالنسبة للدعوة حياة ثانية تتدفق بالحيوية، وتحقّق به دعاء أبيه لربّه: (هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ) (38) (آل عمران) ، أي نسلا صالحا، والذرية تكون واحدة، وتكون جمعا، وتكون ذكرا وأنثى، وما كان زكريا يعني إلا ولدا واحدا، يدل على ذلك قوله: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) (5) (مريم) ولم يقل أولياء، ولم يكن تأنيثه ل «طيّبة» إلا لأن لفظة ذرية مؤنثة، فلمّا دعا مخلصا استجيب له: (فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) (39) (آل عمران) ، يعني جاءته البشرى فور الدعاء في المحراب وهو يصلى، أنه يولد له يحيى، قيل سمّاه الله لأنه أراد له أن يحيا للإيمان والنبوة، وأن يهب نفسه لهما، ويكرّس حياته من أجلهما؛ وقيل سمّاه الله تعالى يحيى من اسمه تعالى «حيّ» ، وتصديقه بكلمة من الله، قال النصارى: إنه تصديقه لعيسى، لأن عيسى هو كلمة الله؛ وقيل: هو تصديقه لكتب الله تجمع في كلمة، تقول استمعنا إلى كلمة وتعنى إلى خطبة، فاختصر الكثير في القليل؛ وفي الأناجيل أن يوحنا كان أول من آمن بعيسى وصدّقه، لأن عيسى كان الأعلى منزلة عند ربّه، وكان أبلغ منه وأفصح، وشخصيته أقوى، والأنبياء يتفاوتون في الأفضلية، ومع ذلك فقد كان يحيى سيدا، يعني كان له حضوره، ويذكر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحسن: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» ، ويحيى كان سيدا ولا أسود ممن سوّده الله تعالى، وسيادته ليست سيادة دنيا أو جاه، ولكنها سيادة عبادة وتقى وزهد، ولذا كان حصورا، أي يعاف النساء ولا يحتاجهن، وآثر صحبة الله على صحبة النساء، ومن الصحابة زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم من حاول أن يكون على طريقة يحيى، كعثمان بن مظعون، وشكت زوجته إلى عائشة أنه يتمنّى لو يكون حصورا، وأن يفرغ خصيتيه، والحصور هو من يحبس نفسه عن النساء مع أنه قادر عليهن، وغايته أن يمتنع عن الشهوات. والحصور بخلاف العنّين الذين يعجز عن إتيان النساء لعيب خلقى فيه، والعنّة النفسية أن يكون عجزه لأسباب نفسية، فأما الحصور فإنه الحابس نفسه عن معاصي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت