فهرس الكتاب
دليل على أن كل ما في الأرض أصلا من السماء، والسماء ليست واحدة ولكنها سبع سماوات، والطريق بينها علميا معرّج، وكل هذه الآيات من معجزات القرآن العلمية؛ وقوله: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِ) (16) عتاب للإدلال، وفي الآية أن المؤمنين لم تخشع قلوبهم بعد لذكر الله، وأنه تعالى يستبطئهم بالخشوع، وكان ذلك بعد الهجرة بسنة، وهؤلاء آمنوا في العلانية باللسان ولكن كانت ما تزال بهم آثار كفر، وبعضهم مال إلى المزاح والضحك لمّا أترف في المدينة، فكان التحذير من أن يكون مصيرهم مصير أهل الكتاب، فلمّا طال عليهم الأمد قست قلوبهم، حتى اخترعوا كتابا من عند أنفسهم، ليشبع فيهم غرورهم، ويرضى نزعاتهم إلى الاستعلاء والاستكبار اللذين نشهدهما فيهم الآن. وهذه الآية كانت سبب إيمان كثيرين، ومنهم عبد الله بن المبارك، والفضيل بن عياض، فكان ابن المبارك يحب أن يجالس أصحابه، ويضرب العود ويستمتع بالطعام والشراب، فسمع مقرئا يقرأ الآية، فكسر العود، وصرف من كان عنده، فكان ذلك أول زهده وتشميره. وأمّا الفضيل، فكان يعشق جارية فواعدته ليلا، فبينما هو يرتقى الجدران إليها، إذ سمع قارئا يقرأ الآية، فرجع القهقرى يقول: بلى والله قد آن!؛ وفي قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) (17) الدليل على البعث، فبعد أن تموت الأرض - أي نباتها وحيوانها في الشتاء ومع الجدب، إذا بالمطر ينزل فيخرج النبات وتنشق الأرض بالمخلوقات، وإذن يمكن البعث بعد الموت، والحمد لله ربّ العالمين، والله سبحانه الموفّق للصواب.
السورة مدنية إلا من قول البعض أن العشر آيات الأولى منها مدنية والباقي مكية؛ وقيل: كلها مدنية إلا قوله تعالى: (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ) من الآية السابعة. والصحيح أن آياتها جميعا مدنية، وعددها اثنتان وعشرون آية، وترتيبها في المصحف الثامنة والخمسون وفي التنزيل المدنى التاسعة عشرة، وفي التنزيل بعامة الخامسة بعد المائة. وتتناول موضوعات كثيرة، منها: أحكام الظهار والكفّارة عليه، وأصول التناجى، وآداب المجالس، والصدقة عند مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحزب الشيطان من المنافقين أولياء اليهود، ممن يحادّون الله، وحزب الله من المؤمنين، ممن لا يوادّون من حاد الله ورسوله. والسورة نزلت استجابة لحاجة يومية، وتشريعاتها أملتها ضرورات من حياة الناس، فالإيلاء مثلا والظهار كانا يكثران في الجاهلية، ويعتبران طلاقا، وظاهر في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم