فهرس الكتاب

الصفحة 1049 من 2524

بعض»، أي أبلغ وأفصح؛ وقوله: (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ) (35) أي لن ينقصكم، ومنه الموتور الذي قتل له قتل ولم ينصفه القانون من قاتله، تقول: وتره، يتره، وترا، وترة، وفي الحديث: «من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» أي ذهب بهما. والسورة حافلة رغم ذلك بالمصطلحات وأوجه البلاغة والبيان، والقرآن لا حصر لوجوه الجمال فيه، ونسأل الله العفو إن قصّرنا، وله الحمد والمنّة.

السورة مدنية، وهي تسع وعشرون آية، نزلت بعد سورة الجمعة، في الطريق عند الانصراف من الحديبية، وكان نزولها ليلا في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة، وهو على الراحلة، وسميت بسورة الفتح من استهلالها بقوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) (1) ، والفتح: هو فتح الحديبية، وكان صلحا بين الرسول صلى الله عليه وسلم والمشركين. وعند ما يطلق اسم «الفتح» يلتبس بفتح مكة، ولكن الفتح في السورة كان بيعة الرضوان يوم الحديبية، وكان المسلمون ألفا وأربعمائة، والصلح من الفتح وإن كان بغير قتال، وبه أصاب المسلمون ما لم يتهيأ لهم بغزوة من الغزوات، فما مضت سنتان إلا والمسلمون قد فتحوا مكة في عشرة آلاف. وقيل: إن مكة لم تفتح عنوة، والفتح لا يكون فتحا إلا عنوة، وإذن فالمقصود ليس فتح مكة، وأيضا فإنه ليس الحديبية؛ لأن الحديبية صلح، والفتح لا يكون صلحا، وإذن فالمقصود شيء آخر، قيل هو فتح خيبر. وقيل إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا قرأ على الناس بعد الحديبية سورة الفتح، قال عمر: أو فتح هو يا رسول الله؟! قال: «نعم، والذي نفسي بيده إنه لفتح» ، يقصد الحديبية.

وسورة الفتح ترتيبها في المصحف الثامنة والأربعون، وفي التنزيل المدنى الخامسة والعشرون، وفي التنزيل عامة الحادية عشرة بعد المائة. وكان نزول السورة والمسلمون يخالطهم الحزن وتخيّم عليهم الكآبة، فلم يكونوا يرون هذا الصلح كما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يراه، فقد صدّهم المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام، وحالوا بينهم وبين العمرة، وهادنوهم لعشرة أعوام لاحقة، على أن يرجعوا عامهم هذا ثم يأتون من قابل، فأجابهم النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى ذلك على كره من جماعة الصحابة ومنهم عمر. ونحر النبيّ صلى الله عليه وسلم هديه حيث أحصر ورجع، واعتبر ذلك الصلح فتحا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آلى إليه. وكان قد بعث عثمان بن عفان إلى أهل مكة ليبلغ عنه أشراف قريش أنه ما جاء إلا معتمرا، وأنه لا ينوى الحرب. وقبل عثمان اعتذر عمر عن الذهاب للعداوات بين قريش وبينه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت