الجهاد معه، واتّبعوا ما أسخط الله، وكرهوا رضوانه، فكشف أضغانهم وما يضمرون من الحقد، ولو شاء الله لأرى رسوله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الكفار بأعيانهم، فلا أقل من أن يعرفهم بسيماهم، وللنفاق سمات، وباب سمات المنافقين من أبواب علم النفس الإسلامي، وأبرز سماتهم لحن القول: وهو أن يتكلموا بشيء ويريدون به شيئا آخر، والجهاد كتبه الله على المؤمنين، وما جعله إلا ليعلم المجاهدين والصابرين، ولن يضر الله الذين كفروا وصدّوا عن سبيله وشاقّوا الرسول. وتختتم السورة بالدعوة إلى طاعتهما - الله ورسوله، وأن لا يهن المؤمنون ويدعوا إلى السلم، ويضعفوا عن الجهاد، والحقّ معهم، وحجتهم هي الظاهرة، وهم الغالبون، ويأتيهم الأمر بالاستمرار في القتال حتى النصر، وأن لا يبخلوا أن ينفقوا في سبيل الله، ومن يبخل فالله غنى حميد، وهو الغنى والناس هم الفقراء، وإن يتولوا يستبدل غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم. ومن المصطلحات في السورة، قوله تعالى: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) (4) ، وأوزار الحرب أثقالها، والمقصود بها السلاح لثقل أحماله؛ وقوله: (وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ) (7) . وتثبيتها أي عدم الفرار من المعركة بتثبيت القلوب بالأمن، وقوله: (فَتَعْسًا لَهُمْ) (8) كأنه يقول: أتعسهم الله، أي أشقاهم وجعل لهم التعاسة نصيبا في الدنيا والآخر، والتّعس: هو الانحطاط والعثار، وأن يخرّ المرء على وجهه، وهو بخلاف النّكس: وهو أن يخرّ على رأسه. وفي الحديث: «تعس عبد الدينار والدرهم ... إن أعطى رضى، وإن لم يعط لم يرض» ؛ وقوله تعالى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ... ) (15) ، يعني أن هذه الأوصاف للجنة أو للنار هي أوصاف تقريبية وليست حقيقية، تقرّب صورة الجنة والنار بلغة الناس وفهمهم وخبراتهم؛ وقوله: (ما ذا قالَ آنِفًا) (16) طريقة في استهزاء المنافقين بكلام النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وقوله: (الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) (20) هم المنافقون، شبّه النفاق بالمرض، وشبّههم بالمرضى؛ وقوله: (فَأَوْلى لَهُمْ) (20) تهديد ووعيد، كما تقول فلسوف ترون؛ وقوله: (وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ) (22) ، والتقطيع تشديد بقطع صلات الرحم. والرحم على وجهين: عامة وخاصة، فالرحم العامة: هي رحم الدين، ويجب مواصلتها بملازمة الإيمان والمحبة لأهل الدين ونصرتهم، والنصيحة لهم، وترك مضارتهم، والعدل بينهم، والنّصفة في معاملتهم، والقيام بحقوقهم الواجبة؛ وأما الرحم الخاصة: فهي رحم القرابة، فتجب لهم الحقوق بدءا بالأقرب فالأقرب. والرحم عموما، قربة، يجب صلتها. وفي الحديث: «لا يدخل الجنة قاطع رحم» ؛ وقوله: (لَحْنِ الْقَوْلِ) (30) أي فحواه ومعناه، وفي الحديث: «إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من