قبلهم من الأمم التي كفرت بربّها، والله حتما ينصر المؤمنين وهو مولاهم، والكافرون لا مولى لهم، ويدخل المؤمنين الجنة، والكافرين النار، وفي السورة أن علامة الكفر: أن الكافرين مطمئنون بكفرهم، ويستمتعون بحياتهم، ويأكلون ويعيشون كالأنعام - أي كالحيوانات، وتخاطب السورة النبيّ صلى الله عليه وسلم وأمّة الإسلام، تسلّيهم وتطمئنهم، وتشدّ أزرهم، فلم تكن مكة أول قرية تخرج نبيّها، فكم من القرى قبلها كانت أشد قوة من قريته وأهلكها الله، وليس المؤمن كالكافر، ولا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم كأبى جهل الضال، وليست الجنة التي وعد المتقون كالنار. وتتحدث السورة عن فئة ثالثة هي فئة المنافقين، وعلامة هؤلاء أنهم يستمعون للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فإذا خرجوا من عنده شككوا الناس فيما قال، ونقلوا ما قاله لليهود أسيادهم. وتقارن السورة بينهم، وبين فئة المصدّقين الذين هداهم الله. وتكثر هذه المقارنات في سورة محمد، ثم يكون الاستفهام الإنكارى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ... ) (18) ، يتوعدهم الله تعالى بها ولم يستعدوا لها، فكيف لهم بالنجاة منها، ومما كانوا يأتون من المنكرات، عند ما تلح عليهم ذكرياتها؟! وفي الآية: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ) (19) ، الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، يقول له: فاذكر أن لا إله إلا الله كما أعلمك، وجاء بعدها (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) (19) تأمره بالعمل بعد العلم، واستغفاره صلى الله عليه وسلم لذنبه برجاء أن يعصمه من الذنب، وأن لا يقع منه ذنب، وأن يثبّته على التوحيد والإخلاص، وفي قوله تعالى: (وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) (19) : أن يشملهم الاستغفار، أي يكون استغفارا للأمة كلها، فأوجبت الآية استغفار الواحد للكل، واستغفاره صلى الله عليه وسلم للجميع، وهذا تصريح منه تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم بالشفاعة، وكان المؤمنون المخلصون يدعون أن ينزّل القرآن على نبيّهم صلى الله عليه وسلم دائما تعليما لهم وتطمينا، وليجدوا فيه الجهاد في سبيل الله، فكلما نزلت سورة تذكّر بالجهاد يتضرر المنافقون، ويتولّاهم الخوف، وكان الأولى بهم لو أنهم أطاعوا وقالوا حسنا، فإذا وقع القتال تقاعسوا وأبدوا الكراهية أن يقاتلوا، وتعللوا ليقعدوا عنه، ولو لم يكونوا منافقين لكان بلاؤهم ومصيرهم أفضل، فكيف لو تولى هؤلاء أمر الحكم في الأمة كما يطمعون؟ أفلا يفسدون فيها بالمعاصي وبتقطيع الأرحام؟! فلا غرو أن يلعنهم الله ويعمى أبصارهم. وإنه لأمر قد يحيّر البعض في طريقة تفكير هؤلاء المنافقين، فهذا القرآن فيه الهدى، أفلا يتدبرونه، أم أن قلوبهم قد سكّرت فلم يعودوا يعقلون؟! ومن أجل أنهم لا يعقلون ارتدّوا على أدبارهم عند ما حمى وطبس القتال، مع أنهم أظهروا الإيمان في بداياتهم، ولكن الشيطان سوّل لهم الكفر وزيّنه، ومدّ في آمالهم؛ فتمادوا في كفرهم وتظاهروا على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى القعود عن