فهرس الكتاب

الصفحة 1166 من 2524

-وهو البعث - حقّ لا ريب فيه، وعلم الساعة عنده تعالى لا يعلمها إلا هو، فلا يصح أن يسأل فيها النبيّ صلى الله عليه وسلم، لأنه ليس سوى نذير مبين، وقد فعل وأنذر وأبان.

والسورة فيها الكثير من وجوه البيان والبديع، كالمطابقة بين الموت والحياة، والاستعارة في قوله: (تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) ، والتمثيل في قوله: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا) ، والسجع في قوله: (كَيْفَ نَذِيرِ) ، و (كانَ نَكِيرِ) ، وفي قوله: (غُرُورٍ) و (وَنُفُورٍ) ، والكناية في قوله: (بِيَدِهِ الْمُلْكُ) ... إلخ، ولله الحمد والمنّة، وبه التوفيق والعصمة.

سميت السورة باسم ما جاء في ابتدائها (الْقَلَمِ) ، الذي أقسم الله تعالى به لما فيه من البيان، وبدأها بحرف الهجاء «نون» كما في سائر مفاتيح السور، وقيل اسم السورة (ن) وأما (الْقَلَمِ) فهو المقسم به، قيل: هو أول ما خلق، والنون كانت الدواة. ومن خرافات التفسير أن يقال: النون هو الحوت الذي يحمل الأرض! وقيل: القلم لمّا خلق كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة! وقيل: نون افتتاح أسمائه تعالى نصير، ونور، وناصر، وآخر حرف من الرحمن! والصحيح أن القلم نعمة من الله، وكذلك حروف الهجاء من أمثال نون، لأن منها بناء الكلمات التي بها تتألف العبارات، وبها يتعلم الناس ويعلّمون ويحفظون التراث. والسورة مكية، وكشأن المكيات فإنها تتناول أمور العقيدة، وتردّ على الشّبه التي أثاروها وما يزالون على الدعوة، وعلى قيام النبيّ صلى الله عليه وسلم بها، واستحقاقه كنبيّ ورسول، وفيها الكثير مما يمكن أن يضرب للوعظ والإرشاد كقصة أصحاب الجنة، وكانوا ظالمين طاغين، فلم تنفعهم أموالهم، ولا أنجتهم سعة عيشهم لمّا حاق بهم غضبه تعالى. والسورة تروى عن أحوال المكذّبين، وبدأت بالقلم، لأن ما قالوه وفعلوه بالنبيّ صلى الله عليه وسلم قد أحصى عليهم وكتب وسجّل، وما كان بالمجنون كما ادّعوا، وما تحمّله منهم لا بد أن يؤجر عليه من ربّه، لا منّا ولا تفضّلا وإنما عن استحقاق، فهو صاحب الخلق العظيم، ولسوف يبصرون يوم القيامة هل كان هو المجنون أم كان المكذّبون هم المجانين الذين فتنتهم شياطينهم؟ وما كانوا سوى منافقين لا يمشون إلا بالنميمة، وإذا حلفوا أكثروا الحلف المهين، واستقووا بأموالهم وأولادهم، وقالوا عن القرآن إنه ترهات وخرافات السابقين، وما دروا ما أعدّ الله لهم من عذاب، وما ادّخره للمتقين من ثواب، وليس المسلمون كالمجرمين، يوم يكشف عن ساق، ويدعون إلى السجود، أي الإقرار بالحق، ويبدو لهم وقتها العذاب الصراح. وتنتهي السورة بدعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الصبر، وتنهاه عن أن يكون كصاحب الحوت يونس عند ما ضجر وعجل، وليترك أمر المكذّبين، يستدرجون ويملى لهم من حيث لا يعلمون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت