وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) (طه 39) ، أي تصنعك التجارب برعايتى، حيث جعله في التابوت، وألقى التابوت في البحر، والتقطته جوارى امرأة فرعون، وأنزل محبته في قلبها حتى قالت (قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ) (القصص 9) ؛ وقول موسى بعد أن قتل: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) (القصص 16) عبارة ندم تحمل على الاستغفار، والأنبياء يشفقون مما لا يشفق منه غيرهم.
الأربعينية من آثار موسى، يقول تعالى: (وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ) (51) (البقرة) ، وكان الله تعالى قد واعد موسى بعد أن جاوز وقومه البحر وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من الله، فأخذ سبعين منهم وصعدوا الجبل وكان ميقات الله له أن يأتي إليه ويبقى مع الله ثلاثين ليلة، فلما صعد من بعد بحسب الميقات عدّوا له ثلاثين، ولكنه غاب عشرا أخرى، فظنوه قد أخلف وعده وصنعوا العجل وعبدوه، قال: (وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) (الأعراف 142) . وهذه الأربعون هي التي تحدّث فيها الصوفية وجعلوها رياضتهم ومعتزلهم من الناس، وزهدهم في الطعام والمنام، وإقبالهم على الذكر، وفي الحديث: «من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» ، والصوفية يختارون للأربعين ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة. وإعذار موسى بالعشر بعد الثلاثين أصل لأعذار الحكام إلى المحكوم عليهم، والله قد جعل سنن الأربعين إعذارا بالشيب، قال: (وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ) (الأحقاف 15) ، وغاية الأعذار ستين، لأن الستين هو سن الإنابة والخشوع والاستسلام لله، وترقّب المنية، ففيه أعذار بعد إعذار. وأربعون الميت أعذار، وكذلك أربعون النفساء، وأصل كل ذلك أربعون موسى.
قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ) (48) (الأنبياء) ، والفرقان: هو التوراة، لأنه يفرّق بين الحلال والحرام، والحق والباطل، وهو ضياء وذكر يعني نورا وهدى يذكّر المتقين ويعظهم. وبالطبع هذا الكلام هو عن التوراة قبل أن يعفى عليها الزمن وتضيع أصولها، فينبرى عزرا يكتب ما يذكره وأعوانه منها، ويشملها تحريفهم وتلفيقاتهم وتأليفاتهم لما لم يذكره، ولما أرادوا إضافته.