فهرس الكتاب
إذن لم يكذب، وإنما يحاج بالمنطق. وجواب إبراهيم: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا) هو نفسه سؤال يلزم بلفظ الخبر: لم ينكرون أن يكون قد فعله كبيرهم؟ أي من اعتقد عبادتها يلزمه أن يثبت لها فعلا.
كان إبراهيم عند ما كسر الأصنام «فتى» كما وصفوه: (قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) (60) (الأنبياء) - يعني شابا حدثا، والحدث من سن البلوغ إلى الثلاثين تقريبا، ورغم حداثة سنّه فقد اتّسمت فعلته بالجرأة الشديدة، وكانت له حجج مفحمة، ومنطق راجح يدل على أن عمره العقلي أكبر من عمره الزمنى، وأنه ناضج فكريا نضوجا ليس لأترابه، وله عقلية «الباحث عن الحقيقة» ، وشخصية «الفيلسوف» الراغب في المعرفة، واتصفت ردوده بالحدّة شأن ردود الشباب، كقوله: (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) (لأنبياء 67) . وأهل الإسلام بنوا على وصف إبراهيم «بالفتى» مذهبا يقوم على نفس سلوكياته وأخلاقه وطريقة تفكيره، أطلقوا عليه اسم «الفتوة» ، وكان انتشار هذا المذهب، وقيام فرق الفتوة خصوصا في العصر العباسى. وبمفهوم هذا المذهب فإن الفتوة هي الإيمان والهداية، وهما ما كان عليه «الفتية أصحاب الكهف» ، قال فيهم ربّهم: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً) (13) (الكهف) ، أي كانوا أحداثا مؤمنين كإبراهيم. والأصنام التي كسرها إبراهيم نوعان: الأصنام الحسيّة التي كانوا يتعبّدون لها، والأصنام النفسية المعنوية التي كانت في قلوبهم اعتقادات خاطئة، وأخلاقيات رديئة، وأفكارا متخلّفة. والفتوة لذلك لها شقان، الأول: الفتوة الفكرية: وهي الخروج على العرف فيما يخالف العقل، والجرأة في الحق؛ والثاني: الفتوة السلوكية: وهي الانتصار للضعفاء، ونجدة الملهوف، وإنصاف المظلومين، مما يعرف في الإسلام باسم «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» . وإبراهيم هو المؤسس الحقيقي لهذا المذهب والمنهج معا، وكان من «الفتيان السالكين» وقد أعلن الحرب ضد الأصنام: أصنام الهوى والشيطان والدنيا والعجب، وصنم كل إنسان نفسه، فمن خالف هواه فهو «فتى» على الحقيقة، وهو «إبراهيمى النزعة» ، و «حنيفى العقيدة» ؛ و «الحنيفية» هي الأساس العقائدى لنظام الفتيان، والحنيفية تعنى الميل عن الباطل إلى الحق، مع التسامح في كل الأحيان، ولذا يؤثرون تسميتها «بالحنيفية السمحاء» ، أي غير المتزمتة. وأى شباب يحكم لهم بالفتوة فإننا نعنى أنهم «مؤمنون بلا واسطة» كما كان إيمان إبراهيم، ولا ينبغي أن نظن أن الفتوة هي شكل من أشكال مذهب الربوبية deism الذي يقول أن معرفة الله ممكنة