فهرس الكتاب
زاد فرعون من تعذيب بني إسرائيل لمّا أظهر موسى، دعوته، فعابوا عليه المشقة التي يعانونها بسببه وهو الذي جاء ليخلّصهم، وكان فرعون وقومه يعرفون الإسرائيليين من سواهم بمعابدهم التي بنوها لصلواتهم، وكانوا يهاجمون تلك المعابد ويقبضون على الأقوياء منهم للعمل عندهم، وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (87) (يونس) ، ومصر في هذه الآية هي أرض جاسان - أي محافظة الشرقية الآن، باعتبار إطلاق الكل على الجزء، وأمر موسى وهارون بني إسرائيل، بناء على وحي من الله، أن يتخذوا من بيوتهم مساجد، وأن يجعلوها إلى القبلة - أي في اتجاه الشرق، فقد كان الساميون جميعا يتوجهون في الصلاة إلى المشرق أينما كانوا، والمراد أن يصلوا في بيوتهم سرا ليأمنوا على أنفسهم، وفقه ذلك: أن الصلاة تكون في المساجد، فإذا خاف الناس مظالم الطاغية وجبروت عسكره، فلهم أن يصلّوا في البيوت. والمسلم له أن يصلى أينما كان، وفي الحديث: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» ، فخصّ بذلك المسلمون، ربما لحالات كهذه، ومن فقه هذه الآية: أن الخائف على نفسه يعذر بخوفه، ويجوز له ترك الجماعة والجمعة، وكثير من المسلمين يفعلون ذلك الآن في بلاد الإسلام وفي غير بلاد الإسلام، فلقد صار الخوف من السلطان الجائر في بلاد الإسلام أكثر منه في غير بلاد الإسلام.
الفرعون - كما عرفنا - هو الجبّار، وهو لغة المستعمرين الهكسوس أطلقت خطأ على كل ملوك مصر، والقرآن يقصد بالفرعون حكام أرض جاسان - أي محافظة الشرقية الآن من الملوك الرعاة. والمرادف للفرعون هو الطاغية، من الطاغوت والطغيان، ومن علامات الطغاة استخفافهم بأقوامهم، يقول تعالى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ) (54) (الزخرف) ، يعني استجهلهم، فأطاعوه لجهلهم، وقلة درايتهم. يقال: استخفّه الفرح، أي حمله على إثبات أفعال الجاهلين، ولم يكن عبثا أن كتب توفيق الحكيم «عودة الوعي» ، يقصد أن الطاغية من شأن جهازه الدعائي أن يغيّب عقول الناس ويستسهل ذلك لأميّتهم وانحطاط ثقافاتهم وأحوالهم المعيشية، فإن أردت يا أخي أو يا أختي، أن تتعرّف إلى نوع نظام الحكم في بلدك، فانظر كيف يتصرّف حاكمه في أهله، وكيف يسلكون إزاء جبروته وصلفه واستبداده، وما إذا كانوا يصدّقون دعاواه دائما ولا يعارضونها أبدا. وقيل