الإيمان ويتبرأ من كل دين سوى الإسلام لا يعتبر منافقا، وهذا هو ما منعه من إيذائهم: أنهم كانوا يظهرون الإسلام، والأحكام بين الناس على الظاهر، وليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر، لأنه يكون حكما بالظنون.
في الآية: (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) (174) (النساء) أن النبيّ صلى الله عليه وسلم هو حجة الله على الناس كافة، وهو معجزته تعالى، سمّاه برهانا، وأنزل عليه القرآن وسمّاه نورا، لأنه به تتبين الأحكام، ويهتدى من الضلالة، فالقرآن نور مبين، وأما محمد فهو برهان مبين.
كان من جهالات اليهود أن يقولوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم «راعنا» كما في قوله في سورة النساء الآية 46: (وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ) ، فنزلت الآية: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ) (104) (البقرة) ، تنهى المسلمين عن تقليد اليهود ومخاطبة النبيّ صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب الدال على جفاء الطبع. وحقيقة «راعنا» في اللغة: أرعنا سمعك، والأمر في الآية يتضمن أن يتخيّر المسلم من الألفاظ أحسنها، ومن المعاني أرقّها إذا تناول اسم الرسول صلى الله عليه وسلم في شيء. وكان اليهود يعتبرون «راعنا» سبّا للرسول صلى الله عليه وسلم، ويسبونه جهرا، وكان سعد بن معاذ يعرف لغتهم، فنهاهم عنها، ونهى المسلمين، ونزلت الآية في سورة البقرة في ذلك.
في الآخرة تتوقف الظنون ويكون اليقين، وفي الآخرة يدرك اليهود أن عيسى كان رسولا من عند الله ولكنهم أنكروه وجحدوه، ويدرك النصارى أنه رسول بشر ولكنهم ألّهوه، وفي الآية: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) (159) (النساء) أن ليس أحد من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، إذا حان الأجل، إلا ليؤمن قبل أن يموت، بعيسى بشرا رسولا، وليس إلها كما قالت النصارى، يعني أن النصراني يظل يكابر طالما هو حيّ، فإذا جاء الموت ذهبت عنه المكابرة، وينقشع الظن، ولا يبقى إلا اليقين، ويوم القيامة يكون عيسى عليهم شهيدا، يشهد على اليهود بأنهم كذّبوه، وعلى النصارى بأنه دعوه ابن الله مرة، والله مرة.