فهرس الكتاب
فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (66) (آل عمران) ، والآية دليل على منع من لا علم له أن يجادل فيما لا يعلم، وتحظر على من لا تحقيق عنده أن يخوض فيما لا يعرف، وعلى عكس ذلك كان حضّه تعالى لمن عنده العلم والمعرفة أن يحاجج فيما يعلم ويعرف، قال: (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل 125) .
لليهود والنصارى دعاوى عريضة في إبراهيم، ومن مزاعم اليهود أنهم وحدهم من نسل إبراهيم (تكوين 17/ 18) ، وعند النصارى هو أبو بني إسرائيل (أعمال 13/ 26) ، وأبو ملة اللاويين (عبرانيين 7/ 5) ، وأبو المسيح (متى 1/ 1) ، وأبو كل النصارى كمؤمنين (غلاطية 3/ 29، ورومية 4/ 11) ، والقرآن ينفى أن يكون إبراهيم يهوديا أو نصرانيا: (ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (67) (آل عمران) ، فنزّهه من دعاويهم الكاذبة، وأوضح أنه كان على «الحنيفية» - أي «الإسلام» - ولم يكن مشركا. و «الحنيف» : هو الذي يوحّد الله، ويحجّ، ويضحّى، ويختتن، ويستقبل القبلة؛ و «المسلم» في اللغة: هو المتذلل لأمر الله، المنطاع له.
كانت الحنيفية أول ملّة يعطى لها اسم، وكان إبراهيم حنيفا، والمسلمون أمروا باتباع الحنيفية: (فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا) (آل عمران 95) ، وأمر نبيّنا وأوحى إليه أن يتّبعها: (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا) (النساء 125) ، والملّة: هي الدين، والملة الحنيفية: هي الملّة المائلة عن الأديان المكروهة إلى الحق الذي هو دين إبراهيم. وملة إبراهيم هي الوحيدة التي تسمى بالحنيفية، وإبراهيم كان أول الحنفاء، كقوله تعالى: (كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا) (آل عمران) ، وربما كانت الحنيفية قبل إبراهيم، فلا بد أنه كانت هناك ثلة من المؤمنين وسط طوفان الكفرة الذين يملئون العالم، إلا أن إبراهيم كان أبرز الحنفاء، لأنه الذي أعلن الحنيفية ودعا لها، وكان أول من قال: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا) (الأنعام 79) . وقال: (إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا) (الأنعام) . وسمّى إبراهيم «حنيفا» لأنه حنف إلى دين الله وهو الإسلام، فالناس كانوا يسمون الملل بأسماء كهذه تفيد استقبالهم للملة أو انحرافهم عنها، كالصابئة: فهم الذين صبئوا، أي خرجوا عن ملّتهم إلى ملّة أخرى، فهم صابئة وصابئون، ومفردها صابئ، فكذلك الحنيفية، فكان