بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها. فذلك إذن زكريا، وتلك بركاته، وقد ورثها منه عن حقّ ابنه يحيى. (انظر قصة يحيى بن زكريا) .
في قصة زكريا في القرآن قال في دعائه: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي) (مريم 4) ، وقال: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) (مريم 6) . والمفسرون من المسلمين ذهبوا إلى أن خوفه من أن يرثه أقاربه، وأنه ورّث ابنه يحيى العلم، أو أنه ورّثه النبوة، إلا أن التفسير الأفضل هو ما جاء في التوراة، ففي سفر أخبار الأيام الثاني أن والد زكريا كان يوياداع، وكان كاهنا أيام الملك يوآش، وكان يجمع الكثير من الفضة من اليهود رسما عليهم من أيام موسى، وأنه عاش طويلا وشبع من الدنيا ومات عن ثروة آلت إلى ابنه زكريا الذي صار كاهنا مثل أبيه، وكان مصلحا مثله، فلما زاغ الشعب عن عبادة الله إلى عبادة الأصنام، وقف زكريا ضد الناس، فكرهوه وكرهه الملك، فهذا إذن هو تفسير قول زكريا: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي) ، وقوله: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) (مريم 6) ، وتحالف الشعب على زكريا ورجموه بالحجارة بأمر الملك في بيت الربّ، ولم يرحمه الملك، ولم يذكر خدمات أبيه له، بل قتل ابنه، فقال زكريا وهو يموت: «ينظر الربّ ويطالب» ، وربما لقوله هذا صلة باسمه «زكريا» ويعني «الربّ يذكر» . وقوله: «ينظر الربّ ويطالب» يعني أن الله يرى ظلمهم له وسيعلمون عاقبة الظلم، وقد حدث، فإنه لم تكد السنة تمر إلا وجيش أرام قد زحف على مملكة يهوذا وعلى أورشليم، وأهلك جميع رؤساء الشعب، وغنم كل شيء، وانتقم الله من الملك فقتله عبيده من أجل دم زكريا (2 أخبار 24/ 21 - 25) .ونبّه لوقا في إنجيله إلى مقتلة النبيّ زكريا، فقال على لسان المسيح: «الويل لكم فإنكم تشيّدون قبور الأنبياء وآباؤكم قتلوهم، فأنتم شهود بأنكم راضون بأعمال آبائكم، لأنهم هم قتلوهم وأنتم تشيدون قبورهم. ومن أجل ذلك قالت حكمة الله: أرسل إليهم أنبياء ورسلا، فمنهم من يقتلون ومن يطردون، لكي يطلب من هذا الجيل دم جميع الأنبياء الذي سفك منذ إنشاء العالم، من دم هابيل إلى دم زكريا الذي قتل بين المذبح والبيت!» (11/ 47 - 51) ، وفي كلام المسيح ما يسميه أهل الأدب السخرية الدرامية dramatic irony ، لأنه تكلم عن الموت قتلا للأنبياء، وكان لا يعلم أنه سيموت نفس الميتة، فيا لسخرية الأقدار! والجديد أيضا في مقالة المسيح السابقة أن هابيل كان نبيا!