ويحرص عليهم ويرأف بهم، فإن تولوا بعد كل ذلك - والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم ولأمة الإسلام من بعده، فحسبه الله لا إله إلا هو، وهو ربّ العرش العظيم. والحمد لله ربّ العالمين.
السورة مكية، وكما قيل إلا الآية: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ) (94) ، فإنها مدنية، ونزلت في اليهود، وهناك أقوال أخرى بأن آيات أخرى من السورة مدنية، إلا أن السورة في عمومها متناسقة، ومعانيها متوافقة، ويطبعها جميعها الطابع العام للسور المكية، من حيث الاهتمام بأصول العقيدة، ومناقشة معاني الإيمان بالله، والاستدلال على وحدانيته، والبرهنة على البعث والجزاء، والاستشهاد بقصص الأنبياء، وأخبار الأمم السابقة، والتنبيه إلى عظمة القرآن، وأنه المعجزة التي انفرد بها النبيّ صلى الله عليه وسلم. وهذه السورة في المصحف هي العاشرة في الترتيب، وفي التنزيل هي الواحدة والخمسون، وكان نزولها بعد سورة الإسراء؛ واسمها سورة يونس، لأنها تحدثت ضمن من استشهدت بهم من الأنبياء كنوح وموسى وهارون، عن موقف النبيّ يونس مع قومه، ورغم أن نصيب يونس من السورة آية واحدة، وتأتي في آخر السورة، إلا أن قوم يونس كانوا جميعا من المؤمنين، على عكس قوم نوح وموسى وهارون، فاستحقوا مصيرا مختلفا عن مصائر أقوام الأنبياء الآخرين، بقوله تعالى: (فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ) (98) ، وفي الحديث الصحيح: «عرض عليّ الأنبياء، فجعل النبيّ يمر ومعه الفئام (أى الجماعة) من الناس، والنبيّ يمر معه الرجل، والنبيّ معه الرجلان، والنبيّ ليس معه أحد ... » ثم ذكر كثرة أتباع موسى، وكثرة أمته صلى الله عليه وسلم، كثرة سدّت الخافقين. والغرض أن قوم يونس كانوا نسيج وحدهم، ومضرب الأمثال في الإيمان، وهم أهل نينوى بالعراق، فلما هجرهم يونس وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، أقرّوا بالتوبة، ولبسوا المسوح، ولجأوا إلى الله نادمين، فعاد إليهم يونس فكشف عنهم العذاب، فصاروا عبرة المعتبر، ولعل كفار مكة يتعظون بقصتهم. وتبدأ سورة يونس بالحروف المقطّعة (الر) (ألف لام راء) ، كخمس سور أخرى، هي بحسب ترتيب التنزيل: يونس، ثم هود، ثم يوسف، ثم الحجر، ثم إبراهيم. وهذه الحروف من حروف الأبجدية، إشارة إلى أن القرآن هو من هذه الحروف البسيطة التي