فهرس الكتاب

الصفحة 638 من 2524

صرفوا همّتهم عن معارضة القرآن؟ ولماذا إذن كان القتال لو كانوا غير مهتمين؟ وربما يقال: إنهم لم يعادوا القرآن ولكنهم كانوا يعادون محمدا؟ والواقع يقول إن علاقتهم بمحمد لم تنقطع، وإنما كان غضبهم من القرآن، وثورتهم عليه، فكان الأحرى بهم أن يعارضوه. وربما يقال: أن ما غاظهم من القرآن هو مخالفته لعقيدتهم بقطع النظر عن إعجازه؟ والجواب: أنه كان بينهم النصارى واليهود على غير دينهم فلم يهمهم ذلك، وإذن فالسبب حقيقة هو القرآن نفسه، وليس مخالفته لدينهم، ولقد حاولوا أن يعارضوه وفشلوا، لأن القرآن ليس بيانا فقط، ولكنه علوم وفنون، وتاريخ وأدب وقصص، وتشريع وقانون، وفيه من كل مثل، فكيف يعارضونه؟! ولقد حاول المستشرقون أن يردّوا المعلومات في القرآن إلى مختلف اللغات والحضارات، فاستوجب ذلك أن يكون محمد قد أحاط بكل اللغات القديمة، وقرأ كل المعارف والمؤلفات، ووعى كل العلوم والآداب! وثبت لهم من ذلك أن القرآن يحتاج إلى مؤسسة علمية كبرى، فيها من كل التخصصات، وينتظم في سلكها مئات من الخبراء ليكتبوا كتابا مثله. والقول بالصرفة إذن - أي بأنهم صرفوا همّتهم عن معارضة القرآن، ولم يحفلوا بذلك، عجز بواح لا شك فيه، من نوع ما يقول به علماء النفس من «تبرير العجز» بأسباب واهية وغير علمية، كلما أعوزهم السبب الحقيقي.

فى القرآن أن الرهبانية ابتدعها النصارى، كقوله تعالى: (رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ) (27) (الحديد) ، أي كانت لهم بدعة، والبدعة: لا تصدر إلا من البشر، غير أنه لا بد أن يكون لها أصل في الشرع أولا، والرهبانية من ذلك، فالاعتزال كان في الدين، فطوّروه إلى نظام الرهبانية، فإذا كانت البدعة تحت عموم ما ندب الله إليه، فهي في حيّز المدح، ويعضد هذا قول عمر: نعمت البدعة هذه! يقصد قيام رمضان، لمّا كانت من الأفعال الحسنة وداخلة في حيز المدح. وإن كانت البدعة خلاف ما أمر الله به فهي في حيز الذّم والإنكار، وفي الحديث: «وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة» أخرجه البخاري، «فالبدعة الضلالة» : هي ما يخالف الكتاب، أو السنّة، أو عمل الصحابة، وفي الحديث: «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شئ» أخرجه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت