القرآن كلام متكلم لم نصل إلى مراده بالسماع منه، وتفسير القرآن على وجه القطع كان الأحرى أن يسمع به من الرسول صلى الله عليه وسلم، أو يسمع ممن سمع منه، وهو متعذّر في كل القرآن، ولم يبق إلا العلم بالمراد بالاستنباط بالأمارات والدلائل، والحكمة في ترك ذلك إلى العباد إنما لكي يتفكّروا فيه، ولذلك لم يأمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم بالتنصيص على تفسيرات دون تفسيرات، وإنما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصوّب رأى المفسرين، فصار ذلك دليلا على جواز التفسير من غير سماع من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وهل ذلك جائز لكل أحد؟ ومن هم أشهر المفسرين؟
لما كان التفسير علما فالمضطلع به لا بد أن يكون من أصحاب هذا العلم، وإلا فليس له أن يتقوّل في التفسير إلا بما هو مأثور عن السلف. والتفسير على أقسام، الأول: أن يعرف المسلم الحلال والحرام مما ورد في القرآن، وهذا لا يعذر أحد بجهالته؛ والثاني: التفسير للألفاظ والعبارات بالمعهود منها في اللغة؛ والثالث: تفسير العلماء. وهذه الأقسام الثلاثة محدودة المجال، ويتجاوزها التفسير الذي يهدف إلى تجلية هدايات القرآن وبيان تعاليمه، وحكمه ما اشترعه الله على الناس، يدفع به المفسر إلى الاهتداء يهدى الله، وهو التفسير الخليق باسم التفسير، وبمثله تنكشف كنوز القرآن وذخائره، ويتوفر فهمه وتدبّر آياته، واستلهام رشده، وانطباع مطلوباته في النفوس، ونقشها بالعقول، فتعلو بها الهمم، وتتهذب بها الأخلاق، ويكون التذكّر والاعتبار.
وقد ذهب البعض إلى تعديد المفسرين بحسب ما ذهبوا إليه في تفاسيرهم، فالذي يلجأ إلى بيان ما في القرآن بروايات من السنّة، أو كلام الصحابة فتفسيره بالمأثور، وكانت لكبار الصحابة تفسيرات للقرآن، واشتهر من هؤلاء عشرة مفسّرين، هم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، ثم ابن مسعود، وابن عباس، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعرى، وعبد الله بن الزبير. وكان هناك آخرون من الصحابة أدلوا بدلوهم في التفسير ولكنهم مقلّون. وليس كل ما يذكر عن التفاسير عن عليّ وابن عباس قد صدر منهما فعلا، فالمتقوّلون عليهما أكثروا في ذلك، والوضّاع أسهبوا في الوضع، والصحيح مما نسب إلى الصحابة قليل بالنسبة لغير الصحيح. والرواة عن ابن عباس لم يكونوا على درجة كبيرة من الإتقان، وفي ذلك قال الشافعي: لم يثبت عن ابن عباس إلا شبيه بمائة حديث. وعليّ أسرف الشيعة بشأنه، فنسبوا إليه ما هو برئ منه، ودسّوا عليه الكثير.