وقالوا فيه: إنه العلم الذي يعرف به نزول الآيات وشئونها وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكيّها ومدنيّها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامّها، ومطلبها ومقصدها، ومجملها ومفسّرها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وأمثالها إلخ.
وذهب آخرون الى أن التفسير: هو علم كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي يحمل عليها حالة التركيب وتتمّات ذلك. وقيل التفسير: علم يفهم به كتاب الله المنزّل، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه، واستمداد ذلك من علوم اللغة، والنحو، والصرف، والبيان، وأصول اللغة، والقراءات، ويحتاج إلى معرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ.
وكلما بعد الناس عن اللغة العربية ظهرت الحاجة أكثر إلى التفسير، ومثلما على المؤمن أن يقرأ القرآن امتثالا لآيات كقوله تعالى: (اقْرَأْ) (العلق) ، وقوله: (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) (20) (المزمل) ، وقوله: (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ) (20) (المزمل) ، وقوله: (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) (98) (النحل) ، وقوله: (وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا) (45) (الإسراء) ، وقوله: (وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا) (106) (الإسراء) ، فكذلك عليه أن يقرأ في التفسير ليتدبر معاني القرآن وأحكامه، كقوله: (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) (29) (ص) ، وقوله: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها) (24) (محمد) ، والله تعالى خاطب الناس بما يفهمونه، وأرسل إليهم الرسل بألسنة أقوامهم، وأنزل كتبه على لغاتهم، وإنما احتيج إلى التفسير والشروح على مرّ الزمان كلما عسر فهم مراد الآيات، فيكون من الواجب إظهار المعاني الدقيقة. وقد تكون هناك تتمات للمسائل وشروطها من علوم تغيرت مضامينها وتوسعت مجالاتها، فيحتاج الشارح لبيان المتروك. وقد يحتمل اللفظ معان عدة فيحتاج الشارح إلى بيان الغرض من اللفظ في سياقه. والقرآن نزل بلسان عربي مبين في زمن فصحاء العرب، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه، وأما بواطنه فكانوا يسألون عنها الرسول صلى الله عليه وسلم في الأكثر، وأما نحن فما أحوجنا إلى الشروح لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة. ولهذا كان علم التفسير من أشرف العلوم عند المسلمين، ويحتل عندهم مكانة لا يعرفها عند اليهود والنصارى. ويتأتى شرفه من أن موضوعه هو كلام ربّ العالمين، أصل كل حكمة وفضيلة. وغرضه من أشرف الأغراض وهو الاعتصام بكتاب الله، والأخذ بما حرّم وحلّل، وما أمر ونهى. وعلم التفسير عسير يسير، فأما عسره فلأن