فهرس الكتاب
الأنبياء. وذلك غير صحيح، فكل نبيّ حالة خاصة وله ظروفه، وآدم فيما يبدو قد تعهّد وأصرّ على الوفاء، وأخذ نفسه بالالتزام بالأمر بصرامة، فهذا هو العزم، ولكنه في الحقيقة تهاون واستخف، وهذا هو معنى أنه لم يكن له عزم. والحق يقال أنه كان واقعا تحت ضغوط نفسية من أشد ما عرفته البشرية من الضغوط النفسية: ضغط إبليس ثم ضغط حواء، فلا عجب أن ضعف عزمه، فعذره ربّه، وغفر له.
الزراية هي الاحتقار، ويزرى به أي يعيبه، ومنها الزريّ وهو الذميم المحتقر، والزراية لآدم، لأنه كقوله تعالى: (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) (121) (طه) ، فما فعله آدم هو عصيان وذنب لا شك فيه، إلا أن ذنوب الأنبياء مغفورة لأنهم يستغفرون منها ويتوبون، وذنوبهم بالنسبة لغيرهم حسنات مع ذلك ولكنها في حقّهم سيئات، بالنسبة إلى مناصبهم وعلو أقدارهم، والوزير قد يؤاخذ بما يثاب عليه ساعى مكتبه، أو جندى الحرس عنده، وفي الخبر أن حسنات الأبرار سيئات المقرّبين، ومع أن الأنبياء تقع منهم الذنوب إلا أنها لا تخل بمكانتهم، ولا تقدح في رتبتهم، وفي الحديث عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: «احتجّ آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا وأخرجتنا من الجنة؟ فقال آدم: يا موسى، اصطفاك الله عزَّ وجل بكلامه وخطّ لك بيده يا موسى! أتلو منى على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقنى بأربعين سنة! فحجّ آدم موسى ثلاثا» ، ومعنى حجّه أي غلبه بالحجة. وصحّت حجة آدم لأن الله قد غفر له خطيئته وتاب عليه، وما كان لموسى أن يعيّره بخطيئة قد غفرها الله له.
في الحديث الصحيح أن نوحا هو أول رسول، يقول: «ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض» ، فهو الأول لأنه كان أول من جاء بشريعة، إلا أن آدم أيضا باعتباره أول البشر كان له تعليمه من الله، وكان يعلّم أبناءه أوامره ونواهيه، وإذن كان آدم نبيا، وكان أول نبيّ بغير إشكال، ولم يكن معه إلا النبوة، ولكن لم تفرض له الفرائض، ولا شرّعت له المحارم، وإنما كانت أقواله تنبيها على بعض الأمور، واقتصارا على ضرورات المعاش، وأخذا بوظائف الحياة والبقاء. وفي الآية: (إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ) (33) (آل عمران) ثبت أنه تعالى اختار لهؤلاء دينهم