السيف، فهل قتل المشركين يعني أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد سمح له بأن يحزنه ما كانوا يقولونه بعد ما كان منهيا عن أن يحزنه هذا القول؟ وكما ترى فلا نسخ هناك.
الآيتان: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ(174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) (175) : قيل: نسختهما آية القتال، والآيتان تعنيان أنهم وقد استعجلوا العذاب استهزاء، فعلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعرض عنهم، ويرجئ أمرهم، حتى يحين موعد عذابهم، وذلك شيء لا دخل له بالقتال، فالآيتان على ذلك محكمتان وليستا منسوختين. وكذلك الآيتان بعدهما: (وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ(178) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) (179) ، قيل: إن آية القتال تنسخهما، ولا وجه للنسخ فيهما كسابقتيهما.
الآيتان: (وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ(16) اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (17) : قيل: الآية الثانية نسختها آية السيف، والصحيح أنها غير منسوخة، لأن الآية ردّ على قولهم عجّل لنا عذابنا في الدنيا، فسأله أن يصبر على ما يقولون.
والآية: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ) (ص 44) : قيل هي خاصة بالنبيّ أيوب عليه السلام، وكانت امرأته قد عرضت له بأمر فحلف عليها نبيّ الله: لئن شفاه الله ليجلدنها مائة جلدة. والضغث هو الحزمة من الشجر أو الشماريخ، وأيوب أمر بغصن فيه تسعة وتسعون فرعا فتكتمل به المائة، فضربها به ضربة واحدة، فأبرّ قسمه، وخفّف عن امرأته. وقيل إن هذا منسوخ في الإسلام، لأن الضرب يكون انفراديا حتى المائة وليس بمائة فرع مرة واحدة، فهذا تحايل على القسم. والآية خبر عن أيوب، وهو خبر يختص بأيوب، ولم تشرّع الآية حكما نسخ بعد ذلك بآية تعارضها، وإنما يقبل النسخ إذا وجد حكم يخالفه ويناقضه حكم جديد، ومن ثم فلا نسخ.
الآية: (قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (46) : قال فيها ابن الجوزى: زعم بعض ناقلى التفسير أن معنى الآية نسخ بآية السيف، وليس هذا بصحيح، لأن حكم الله بين عباده - في الدنيا ـ: بإظهار حجج المؤمنين، وإبطال شبه الملحدين؛ وفي الآخرة: بإدخال هؤلاء الجنة، وهؤلاء