فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 2524

(السجدة) ، فكان كلام القرآن أقل وزنا، وأحسن تركيبا، وأعذب لفظا، وأقل حروفا، فإن كان ذلك فيما جاء من آية واحدة، فما بالك فيما يكون من السورة؟ وبمثله قامت الحجة على العرب السابقين - وهم أرباب الفصاحة، وتقوم الحجة على أهل العلم المعاصرين، مما في القرآن من علوم ومعارف ومعان ودلائل، وهذا هو الفرق بين معجزة القرآن عند محمد صلى الله عليه وسلم، ومعجزة غيره من الأنبياء السابقين: أن معجزة القرآن مستمرة، وتحدّيه أبدى.

أسلوب الكلام: هو طريقة تأليفه واختيار ألفاظه؛ وأسلوب القرآن هو طريقته المتفرّدة في التعبير، وذوقه العالى في اختيار الألفاظ وصياغة التراكيب بما يناسب المعنى ويقصد إلى الغرض، فلغة الوعد بخلاف لغة الوعيد، وعبارات القصة بخلاف عبارات الأحكام، وألفاظ يوم القيامة نقيض ألفاظ يوم من أيام الزينة، وفي هذين المثلين المتقاربين في الآية: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ) (58) (البقرة) ، والآية: (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ) (161) (الأعراف) ، ففي الآية الأولى استخدم الفاء في كلمة «فكلوا» ، واستخدم الواو في نفس الكلمة «وكلوا» في الآية الثانية، غير أن المعنى في الآية الأولى أن الأكل معطوف على دخول القرية، ومتعلق به تعلق الجواب بالابتداء، أو تعلق الشرط بالجزاء، فكان استخدام الفاء، لأن الأكل شرطه الدخول، بعكس الآية الثانية فإن الأمر فيها ليس مجرد دخول ولكنه سكنى، والسكنى طول مقام، وفيها التريث والتفكير، وربما البحث عن الطعام، وربما اتباع وسائل للسكنى ثم وسائل إلى الطعام، فليس هناك مجال للعطف، ولذلك وجب أن يكون العطف بالواو وليس بالفاء، لأن الفاء تفيد الترتيب والتعقيب، واما الواو فتفيد الحال، والأحوال كثيرة بحسب مناسباتها، وجميعها تحتشد فيها الصور وتصلح لها ألفاظ وعبارات دون ألفاظ وعبارات، والأسلوب هو الصورة الفنية التي يأتي عليها وصف هذا الحال دون ذاك، والكلام يتفاوت في البلاغة في ذاته ولدى القارئين أو المستمعين، وفي كلام القرآن تأتي الألفاظ وقد اختيرت اختيارا، والعبارات وقد صيغت بإحكام، فيسمعه أو يقرأه الناس في عصر ومصر فيفهمون منه أشياء، ويتذوقونه بطريقة تلائمهم، فكأن القرآن قد جاء ليتذوقه كل الناس، فالألفاظ فيه منظومة نظاما صوتيا له جرسه الجميل، وائتلافه في الحركات والسكنات، وفي المدّات والغنّات. وللقرآن توقيعه الخاص، وكأنه شعر وهو ليس بشعر، وله إطلاق النثر وإرساله، وليس من السحر ولا الكهانة، لأنه يدعو إلى الخير والحق، ويرسّخ معاني الجمال والجلال والكمال، وقيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت