كذّبوه من الدعوة، بقوله تعالى: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ) (4) ، وما كذّبوه هو قول صالح بيوم القيامة، وصفتها الآية بأنها «القارعة» ، لأنها تقرع الناس بالذعر، وتقرع السماوات بالانفطار، والأرض بالتصدّع، والأجرام بالتشقق والانتثار؛ وفي سورة العنكبوت: يأتي وصفهم بأنهم كانوا مستبصرين، يعني كانوا أهل علم ودراية، فقد كانت لهم عمارة متقدمة في البناء دلت عليها مساكنهم، وأصحاب العمائر مخططون ومهندسون ومع ذلك غووا الضلال وعتوا مفسدين، قال تعالى: (وَعادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) (38) ؛ وأخيرا يجيء في سورة التوبة عن ثمود - وهي السورة قبل الأخيرة من سور القرآن بحسب التنزيل: أن كفار مكة ما كان لهم أن يكذّبوا وقد عرفوا ما حاق بالأمم السابقة قبلهم: (قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (70) ، والدرس المستفاد من كل هذه الآيات قوله تعالى في سورة الحج: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ) (42) ، فهذه ست وعشرون آية في ثمود وصالح والناقة، وفيما كان منهم، عرضها القرآن للعظة والاعتبار، ولتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. والحمد لله رب العالمين.
أرسل النبيّ صالح Salih إلى ثمود برسالة التوحيد: (فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ) (45) (النمل) ، فقدّموا الكفر وأخّروا الإيمان، ودعاهم صالح أن يستغفروا لعلهم يرحمون، فكانت حجّتهم عليه: (اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) (47) (النمل) . (وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ(48) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ) (49) (النمل) ، والرهط: هم الجماعة، قيل هم تسعة، والجمع أرهط وأراهيط، وكانوا رؤساء يتبع كل واحد منهم رهط. والمدينة هي مدينة صالح، وهي الحجر جنوبى تيماء من وادى القرى. وهؤلاء التسعة كانوا من أولاد المترفين، وهم أصحاب المال والسلطان، وكل فساد في الأرض لا يتأتّى إلا من المترفين، ومن سيطرة رأس المال على مقدّرات الناس، وعلى التشريع والحكم، ومن ذلك قوله تعالى: (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ) (116) (هود) ، وقوله: (وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) (34) (سبأ) ، وقوله: (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا