السورة مكية، وآياتها تسع عشرة، وكان نزولها بعد سورة «النازعات» ، وترتيبها في المصحف الثانية والثمانون، وفي التنزيل الثانية والثمانون أيضا، وتشبه سورة «الانشقاق» ، وتبدأ مثلها بذكر انفطار السماء، بقوله تعالى: (إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ) (1) ، كقوله في سورة «الانشقاق» : (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) (1) ، وانفطارها أو انشقاقها يعني انصداعها، ولا يكون ذلك إلا يوم القيامة، فتمور السماء وتنفرج وتنكشط، فهي كالمهل - أي كالرماد - وهي يومئذ واهية، والحدث جليل، ومن أشراط الساعة وعلاماتها. وفي ذلك اليوم تنتثر الكواكب فلا شيء منها في مكانه، وتتفجّر البحار، وتغرق اليابسة، وتتبعثر القبور وتنشق عن الأموات يبعثون أحياء يسعون إلى ربّهم: (ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) (42) (ق) ، مهطعين إلى الداعى، وقد تيقّنوا أن ما كان قد دعاهم إليه الرسل حق، ولكنهم لم يولوه اهتمامهم، وانصرفوا عنه بأمور دنياهم، وقدّموها على أمور الآخرة، فلم كان ذلك؟ ولماذا هذه اللامبالاة من الإنسان؟ وما الذي يجعله يكفر ويعصى؟ يقول تعالى: (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) (6) ، فوصف نفسه بالكرم لأنه يتجاوز ويعفو عن كثير، وغرّ الإنسان كرمه تعالى به، ولولا كرمه ما عصاه ولا أخطأ؛ أو أن الإنسان كما قال عمر: غرّه شيطانه الخبيث، أو شيطانه المسلّط عليه، أو قال: غرّه حمقه وجهله. ولما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) (6) قال: «غرّه الجهل» ، أو قال: «غرّه جهله» . وقال عمر: كما قال الله تعالى: (إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (72) (الأحزاب) . وقيل: غرّه عفو الله، لأنه لم يعاقبه في أول مرة. وسئل الفضيل بن عياض: لو أقامك الله تعالى بين يديه يوم القيامة، فقال لك: (ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) ؟ ما ذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول: غرّنى ستورك لي، لأنك الكريم، والكريم ستّار. وقيل: إن المؤمن يثق بحسن إفضال الله، ويغتر بطول إمهاله، فيرتكب الزلّة، لا يستحلها، ولكنه طول حلم الله تعالى عنه يحمله على سوء خصاله، ومع ذلك فلم تتوقف أفضاله، فهو الذي خلقه في أحسن تقويم، وسوّاه في بطن أمه، وأنشأه معتدل القامة، وركّب أعضاءه على الوجوه الحكيمة، وفي أي صورة ما شاء، لا يتشابه اثنان ولا يتماثلان في الخلقة ولا في الخلق، وعلّمه ورزقه، ومع ذلك يكذّب بالدين، وينكر يوم القيامة، ويجحد ربّه، ويسفّه البعث والحساب! وكل ذلك مرصود عنه، يكتبه ملائكة رقباء لا يفارقونه، كقوله تعالى: (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (18) (ق) ، فلا تخفى عليهم أعماله وأقواله، كقوله: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ(10) كِرامًا كاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ) (12) . ويوم القيامة ينفرق الناس فريقين، كقوله تعالى: (إِنَ