فهرس الكتاب

الصفحة 1229 من 2524

المسافة بين الأصحاب. وكانوا قد اتهموه صلى الله عليه وسلم بالجنون، لأنه إذا أوحى إليه يعرق بشدة ويسكن جسده إلى أن يرتفع عنه الوحي، وكان يقول إنه رأى جبريل في صورته كما هو عند ربّه، فكان ذلك سببا آخر أن يوصف بالجنون، والسورة تنفى عنه التهمة وتؤكد للمؤمنين صدقه فيما قال: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ(23) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) (26) ، وقوله: (رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) ، فلأن جبريل كان ضخما يسدّ الأفق، ووصف الأفق بالمبين أي الواضح، بحيث أن رؤيته له كانت حقيقة وليست وهما. وأما من قال إن «الهاء» في «رآه» تعنى الله سبحانه وتعالى، فذلك أمر بعيد، فالله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ) (الأنعام 103) ، وإنما كانت الرؤية لجبريل بصورته الملكية مرتين، فمرة: (بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) (23) (التكوير) و (بِالْأُفُقِ الْأَعْلى) (7) (النجم) ، ومرة: (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى) (14) (النجم) - (انظر هل رأى محمد ربّه؟ ضمن باب «النبوة والنبيّ» ) ، وتصف الآية النبيّ بأبلغ بيان: (وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) (24) أي لا يضن عليهم بما يعلم، تصديقا لقول عائشة فيه صلى الله عليه وسلم: أنه ما كتم شيئا من الدين. والغيب هو القرآن وخبر السماء. ورؤيته لجبريل من الغيب. ولو نجحت خطة المنافقين وشككوا الناس في رؤيته لجبريل، لكان معنى ذلك أنه متّهم كذلك بشأن القرآن، ولذا يجيء في هذه السورة: (وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) (25) ، وبه يبدأ الجزء الثالث من السورة، و «هو» المقصود بها القرآن، وكانوا يتقوّلون: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، يأتيه شيطان أبيض في صورة جبريل يريد أن يفتنه، وأن القرآن من وحيه - أي وحي الشيطان. وردّت الآية عليهم بسؤال إنكار وتوبيخ: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) (26) ، يعني: ما هذا الهراء الذي تقولون؟ وإلى أي درك من قلة العقل والحمق يأخذكم الكفر والعناد والجحود؟ والجواب على السؤال: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ(27) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (29) ، أي إن هذا القرآن موعظة وذكر لكل الناس، فمن أراد منهم الهداية واتّباع الحق، فلا هداية فيما سواه، وأنهم ما يقدرون على شيء إلا بتوفيقه تعالى ولطفه، فلنسأل الله التوفيق. قيل: (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) (28) قال أبو جهل: الأمر إلينا إذن - إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم. فأنزل الله: (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (29) ، فبيّنت الآية أنه لا يعمل العبد خيرا إلا بتوفيق من الله، ولا شرا إلا بخذلان من الله، فالله أولا وأخيرا، والحمد لله ربّ العالمين، نسأله التوفيق، فمنه وبه التوفيق والعصمة، وفي كتابه الفلاح والحكمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت