فهرس الكتاب

الصفحة 1577 من 2524

والاستعدادات والقدرات من داخله، ليقوم بأدائها على أتم وفاق، وقدّر تقديرا كل ما له وما عليه:

وله في كل شيء خلقة ... وكذاك الله ما شاء فعل

سأله تعالى: (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى(17) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى) (18) (طه) ، ومقصود السؤال تقرير الأمر حتى يقول موسى: هي عصاى، ليثبت الحجة عليه بعد اعترافه، وإلا فإنه تعالى يعلم ما هي. ولم يكن غريبا أن ينسب موسى العصا إلى نفسه فيقول هي عصاى، ليكون من بعد أنها تتحول إلى حية تسعى، فيعلم أنه لا ملك له عليها ولا تنضاف إليه، وإنما الملك كله لله. وفي الآية دليل على جواب السؤال بأكثر مما سئل. والمآرب الأخرى في العصا عديدة، فهي إذا قصر الرّشا عن ماء البئر وصل بالعصا، وإذا اشتدت الشمس غرزها في الأرض ويلقى عليها بظلة، وإذا استبان له بعض هوام الأرض قتله بها، وإذا مشى ألقاها على عاتقه وعلّق عليها لوازمه ومخلاته، وإذا هاجمته السباع قاتل بها. وإمساك العصى سنّة للأنبياء، وعلامة للمؤمنين، وزينة للصالحين، وسلاح على المعتدين، وعون للمستضعفين، وغمّ على المنافقين، وزيادة في طاعة الطائعين. وقيل لأعرابى: ما هذه في يدك؟ - يقارنون بين ما يجيب وجواب موسى - قال الأعرابى: عصاى أركزها لصلاتى، وأعدّها لعداتى، وأسوق بها دابتى، وأقوى بها على سفرى، واعتمد بها في مشيتى لتتسع خطوتى، وأثب بها النهر، وتؤمننى من العثر، وألقى عليها كسائي فيقينى الحرّ، ويدفئني من القرّ، وتدنى إليّ ما بعد منى، وهي محمل سفرتى، وعلّاقة إداوتى، أعصى بها عند الضّراب، وأقرع بها الأبواب، وأتّقى بها عقور الكلاب، وتنوب عن الرمح في الطعان، وعن السيف عند منازلة الأقران، ورثتها عن أبي، وأورّثها بعدى ابني، وأهشّ بها على غنمى، ولى فيها مآرب أخرى كثيرة لا تحصى.

وكانت للنبيّ صلى الله عليه وسلم حربة توضع بين يديه فيصلى إليها صلاة العيد، وكان له محجن، وهو عصا معوجة الطرف، يشير به إلى الحجر إذا لم يستطع أن يقبّله. واستن عمر بن الخطاب القيام بإحدى عشرة ركعة فكان الناس يعتمدون على العصيّ من طول القيام. وكانت للنبيّ صلى الله عليه وسلم مخصرة، يعني عصا قصيرة تصل إلى الخصر يتوكأ عليها إذا خطب. فالعصا لها فوائد أصيلة، ومنافع عديدة، ومعدنها شريف، ولا ينكرها إلا جاهل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت