فهرس الكتاب

الصفحة 1427 من 2524

فإن إبراهيم هو أبو الرحماء، وتوجهت رحمته للأطفال خاصة، وهو الذي كان يكنّ كل الحب لابنه إسماعيل ولمّا كان طفلا، فجعل الله الفداء لطفل إبراهيم خاصة، وجعل لافتدائه قصة هي قصة الذبيح، وبسببها كان إبراهيم «أبو الأطفال» ، وفي الرواية في حديث الرؤيا عن سمرة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى في الروضة إبراهيم عليه السلام وحوله أولاد الناس.

قوله تعالى: (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً) (النحل 120) ، يعني كان إماما يجتبى ويقتدى للناس جميعا تأتم به، واجتمعت فيه الصفات المؤهّلة للإمامة فكان كقوله تعالى: (قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(120) شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (122) (النحل) ، ولهذا انعقدت له إمامة الدين وإمامة الدنيا وإمامة النبوّة، وكان معلما وداعيا، وكبيرا للمعلمين وللدعاة، وكان مداد تعليمه: الخير والدين، فكان أمة: لأنه جمع في نفسه كل صفات المؤمنين، وكان مؤمنا وحده وكل الناس كفّار، فكان إيمانه واجتماع أوجه الخير كلها فيه هو حسنة الدنيا أوتيها دون العالمين، فالمؤمنون جميعهم يدعون: (رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) (البقرة 201) ، ولم يتحقق ذلك بطريقة مرئية ومحسوسة إلا لإبراهيم وحده، فآتاه الله حسنتى الدنيا والآخرة معا وحقّقهما له، وهو الوحيد الذي وصفه الله تعالى فقال: «كان أمّة» فلم يجعل هذه الصفة لأحد سواه.

يحاجى اليهود والنصارى في إبراهيم، وكلّ منهما ينسبه إليه، فاليهود يزعمون أنهم ينحدرون منه وأنه أبوهم الأكبر، والنصارى بدورهم ينسبون أنفسهم إليه، مع أن إبراهيم كان قبل أن يوجد اليهود والنصارى! والآية: (يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (65) (آل عمران 65) حجة على كل من اليهود والنصارى، لأن التوراة والإنجيل أنزلا من بعد إبراهيم، وليس في التوراة ولا الإنجيل اسم ديانة اليهود ولا ديانة النصارى، والقرآن هو الوحيد الذي فرّق بين الملة والديانة، فالملة بحسب النبيّ، وأما الديانة فواحدة وهي «الإسلام» ، وكل نبيّ ذكر في القرآن دعا «للإسلام» ، وقوله تعالى: (أَفَلا تَعْقِلُونَ) (65) يعني تعقلون دحوض حجة النصارى واليهود وبطلان قولهم: يقول تعالى: (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت